09-12-2001, 01:55 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا الموضوع منقول من سيرة المرويات النثريه
أبرز خطباء الجاهلية، وهو قس بن ساعدة يقول الجاحظ من أنّ قساً له ولقومه فضيلة ليست لأحد من العرب لأن الرسول روى كلامه وموقفه على جملة بعكاظ(= نذكّر هنا بما كان قد رواه الرسول من أحاديث تميم الدارى)، وعجب من حسن كلامه، وأظهر تصويبه، وهذا إسناد تعجز عنه الأماني، وتنقطع دونه الآمال، وإنما وفقّ الله ذلك الكلام لقسّ لاحتجاجه للتوحيد، ولإظهاره الإخلاص، وإيمانه بالبعث، ومن ثم كان قسّ خطيب العرب قاطبة.وقيل إنه كان من أسباط العرب، وقد أدرك من الحواريين سمعان، وكان أسقفاً لنجران، وهو أول من تألّه من العرب، أي تعبّد، وأوّل من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وإليه تعزى التقاليد المتوارثة فى الخطابة العربية، فهو أوّل من توكأ على عصا، وأول من قال: ((أما بعد))، ويرجّح أنه توفي مطلع القرن السابع الميلادى. وتشحن كل هذه الميزات صورته فى الذهن بشتى القوى والإمكانيات، وتسوغ ظهوره على غيره من الخطباء، وتضفي عليه موقعاً تبجيلياً نادراً. وتتفق جميع المصادر أن الرسول شهد خطبته فى سوق عكاظ ورواها عنه، وتتضارب الروايات فيما بينها حسب المصادر فى ترتيب فقرات الخطبة، وتورد بعضها أطرافاً فيما تهملها أخرى، وهو أمر يطرّد فى المرويات الشفاهية، بما فيها هذه الخطبة المسندة إلى الرسول. ويلزمنا سياق البحث أن نورد الخطبة داخل الإطار الذي رويت فيه.
قدم إلى الرسول وفد قبيلة أياد (=وفى رواية أخرى وفد قبيلة عبد القيس وفي أخرى وفد بكر بن وائل) فسألهم عن قس بن ساعدة، فاخبروه أنه هلك، فترحّم عليه قائلاً: ((كأننى أنظر اليه بسوق عكاظ على أجمل أحمر (=وفى رواية أورق) وهو يقول:
((أيها الناس، اجتمعوا واسمعوا وعوا من عاش مات ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، أما بعد فإنّ فى السماء لخبرا، وإنّ فى الأرض لعبرا، نجوم تمور، وبحار تغور، وسقف مرفوع ومهاد موضوع. أقسم قس بالله قسماً، لاحانثاً فيه ولا آثماً. إنّ لله دينا ً هو أرضى من دين أنتم عليه. مالى أراهم يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا؟ سبيل مؤتلف وعمل مختلف
ثم قال الابيات التاليه:
في الذاهبــين الأولــين من القــــرون لــنا بصائر
للموت ليس لها لمـاّ رأيــت مـــــورداً مصادر
ورأيت قـومى نحوها تمضى الأوائل والأواخر
لا يرجع الماضى ولا يبقى من الباقيــن غابر
أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر
فقال رسول الله(ص)، ((رحم الله قساً إنى لأرجو أن يبعثه الله أمة واحدة)6، وتورد بعض المصادر قوله بصيغة أخرى ((يعرض هذا الكلام يوم القيامة على قس بن ساعدة، فإن كان قاله لله فهو من أهل الجنه
وله خطبة اخرى :
ما جاء عن لسان الجارود بن المعلى حينما سأله الرسول عن قس، فأجاب: (فداك أبى وأمى كلنا نعرفه وأنى بينهم لعالم بخبره واقف على أمره. كان قس يارسول الله سبطاً من أسباط العرب عمّر ستمائة سنة تقفّر منها خمسة أعمار فى البراري والقفار يضج بالتسبيح على أمثال المسيح لا يقرّه قرار ولا تكنّه دار ولا يستمتع به جار. كان يلبس الإمساح. (= الاثواب الداثرة) ويفوق السياح، ولا يفتر من رهبانيته يتحسّى في سياحته بيض النعام ويأنس بالهوام ( = الوحوش) ويستمتع بالظلام، يبصر فيعتبر، ويفكر فيختبر، فصار لذلك واحداً تضرب بحكمته الأمثال، وتكشف به الأهوال. أدرك رأس الحوريين سمعان وهو أول رجل تألّه من العرب ووّحد، وأقّر وتعبّد، وأيقن بالبعث والحساب، وحذّر سوء المآب، وأمر بالعمل قبل الفوت، ووعظ بالموت وسلم بالقضاء، على السخط والرضا وزار القبور، وذكر النشور ( = البعث) وندب بالأشعار، وفكر في الأقدار، وأنبا عن السماء والنماء، وذكر النجوم وكشف الماء، ووصف البحار، وعرف الآثار، وخطب راكباً، ووعظ دائباً، وحذّر من الكرب، ومن شدة الغضب، ورسل الرسائل، وذكر كل هائل، وأرغم في خطبه، وبين في كتبه، وخوف الدّهر وحذر الأزر (= القوة) وعظّم الأمر وجنّب الكفر وشوق إلى الحنيفية، ودعا إلى اللاهوتيه وهو القائل يوم عكاظ:
(( شرق وغرب، ويتم وحزب، وسلم وحرب، ويابس ورطب، وأجاج (= مالح) وعذب - شموس وأقمار، ورياح وأمطار، ليل ونهار، وإناث وذكور، برار وبحور، وحب نبات، وأباء وأمهات، وجمع وأشتات، وآيات في أثرها آيات، ونور وظلام، ويسر وإعدام، ورب وأصنام، لقد ضلّ الأنام، نشوّ مولود، ووأد مفقود، وتربية محصود، وفقير وغني، ومحسن ومسيء، تباً لأرباب الغفلة، ليصلحن العامل عمله، وليفقد الآمل أمله كلا بل هو إله واحد، ليس بمولود ولا والد أعاد وأبدى، وأمات وأحيا، خلق الذكر والأنثى، ربّ الآخرة والأولى أما بعد فيا معشر أياد أين ثمود وعاد؟ وأين الآباء والأجداد؟ وأين العليل والعواد؟ كل له معاد، يقسم قس برب العباد، وساطح المهاد، لتحشرن على الانفراد، في يوم التناد، ذا نفخ في الصور، ونقر في الناقور، وأشرقت الأرض ووعظ الواعظ، فانتبذ القانط وأبصر اللاحظ فويل لمن صرف عن الحق الأشهر، والنور والأزهر، والعرض الأكبر في يوم الفصل، وميزات العدل، إذا حكم القدير، وشهد النذير، وبعد النصير، وظهر التقصير، ففريق من الجنة وفريق في السعير)).
يتبع....
هذا الموضوع منقول من سيرة المرويات النثريه
أبرز خطباء الجاهلية، وهو قس بن ساعدة يقول الجاحظ من أنّ قساً له ولقومه فضيلة ليست لأحد من العرب لأن الرسول روى كلامه وموقفه على جملة بعكاظ(= نذكّر هنا بما كان قد رواه الرسول من أحاديث تميم الدارى)، وعجب من حسن كلامه، وأظهر تصويبه، وهذا إسناد تعجز عنه الأماني، وتنقطع دونه الآمال، وإنما وفقّ الله ذلك الكلام لقسّ لاحتجاجه للتوحيد، ولإظهاره الإخلاص، وإيمانه بالبعث، ومن ثم كان قسّ خطيب العرب قاطبة.وقيل إنه كان من أسباط العرب، وقد أدرك من الحواريين سمعان، وكان أسقفاً لنجران، وهو أول من تألّه من العرب، أي تعبّد، وأوّل من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وإليه تعزى التقاليد المتوارثة فى الخطابة العربية، فهو أوّل من توكأ على عصا، وأول من قال: ((أما بعد))، ويرجّح أنه توفي مطلع القرن السابع الميلادى. وتشحن كل هذه الميزات صورته فى الذهن بشتى القوى والإمكانيات، وتسوغ ظهوره على غيره من الخطباء، وتضفي عليه موقعاً تبجيلياً نادراً. وتتفق جميع المصادر أن الرسول شهد خطبته فى سوق عكاظ ورواها عنه، وتتضارب الروايات فيما بينها حسب المصادر فى ترتيب فقرات الخطبة، وتورد بعضها أطرافاً فيما تهملها أخرى، وهو أمر يطرّد فى المرويات الشفاهية، بما فيها هذه الخطبة المسندة إلى الرسول. ويلزمنا سياق البحث أن نورد الخطبة داخل الإطار الذي رويت فيه.
قدم إلى الرسول وفد قبيلة أياد (=وفى رواية أخرى وفد قبيلة عبد القيس وفي أخرى وفد بكر بن وائل) فسألهم عن قس بن ساعدة، فاخبروه أنه هلك، فترحّم عليه قائلاً: ((كأننى أنظر اليه بسوق عكاظ على أجمل أحمر (=وفى رواية أورق) وهو يقول:
((أيها الناس، اجتمعوا واسمعوا وعوا من عاش مات ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، أما بعد فإنّ فى السماء لخبرا، وإنّ فى الأرض لعبرا، نجوم تمور، وبحار تغور، وسقف مرفوع ومهاد موضوع. أقسم قس بالله قسماً، لاحانثاً فيه ولا آثماً. إنّ لله دينا ً هو أرضى من دين أنتم عليه. مالى أراهم يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا؟ سبيل مؤتلف وعمل مختلف
ثم قال الابيات التاليه:
في الذاهبــين الأولــين من القــــرون لــنا بصائر
للموت ليس لها لمـاّ رأيــت مـــــورداً مصادر
ورأيت قـومى نحوها تمضى الأوائل والأواخر
لا يرجع الماضى ولا يبقى من الباقيــن غابر
أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر
فقال رسول الله(ص)، ((رحم الله قساً إنى لأرجو أن يبعثه الله أمة واحدة)6، وتورد بعض المصادر قوله بصيغة أخرى ((يعرض هذا الكلام يوم القيامة على قس بن ساعدة، فإن كان قاله لله فهو من أهل الجنه
وله خطبة اخرى :
ما جاء عن لسان الجارود بن المعلى حينما سأله الرسول عن قس، فأجاب: (فداك أبى وأمى كلنا نعرفه وأنى بينهم لعالم بخبره واقف على أمره. كان قس يارسول الله سبطاً من أسباط العرب عمّر ستمائة سنة تقفّر منها خمسة أعمار فى البراري والقفار يضج بالتسبيح على أمثال المسيح لا يقرّه قرار ولا تكنّه دار ولا يستمتع به جار. كان يلبس الإمساح. (= الاثواب الداثرة) ويفوق السياح، ولا يفتر من رهبانيته يتحسّى في سياحته بيض النعام ويأنس بالهوام ( = الوحوش) ويستمتع بالظلام، يبصر فيعتبر، ويفكر فيختبر، فصار لذلك واحداً تضرب بحكمته الأمثال، وتكشف به الأهوال. أدرك رأس الحوريين سمعان وهو أول رجل تألّه من العرب ووّحد، وأقّر وتعبّد، وأيقن بالبعث والحساب، وحذّر سوء المآب، وأمر بالعمل قبل الفوت، ووعظ بالموت وسلم بالقضاء، على السخط والرضا وزار القبور، وذكر النشور ( = البعث) وندب بالأشعار، وفكر في الأقدار، وأنبا عن السماء والنماء، وذكر النجوم وكشف الماء، ووصف البحار، وعرف الآثار، وخطب راكباً، ووعظ دائباً، وحذّر من الكرب، ومن شدة الغضب، ورسل الرسائل، وذكر كل هائل، وأرغم في خطبه، وبين في كتبه، وخوف الدّهر وحذر الأزر (= القوة) وعظّم الأمر وجنّب الكفر وشوق إلى الحنيفية، ودعا إلى اللاهوتيه وهو القائل يوم عكاظ:
(( شرق وغرب، ويتم وحزب، وسلم وحرب، ويابس ورطب، وأجاج (= مالح) وعذب - شموس وأقمار، ورياح وأمطار، ليل ونهار، وإناث وذكور، برار وبحور، وحب نبات، وأباء وأمهات، وجمع وأشتات، وآيات في أثرها آيات، ونور وظلام، ويسر وإعدام، ورب وأصنام، لقد ضلّ الأنام، نشوّ مولود، ووأد مفقود، وتربية محصود، وفقير وغني، ومحسن ومسيء، تباً لأرباب الغفلة، ليصلحن العامل عمله، وليفقد الآمل أمله كلا بل هو إله واحد، ليس بمولود ولا والد أعاد وأبدى، وأمات وأحيا، خلق الذكر والأنثى، ربّ الآخرة والأولى أما بعد فيا معشر أياد أين ثمود وعاد؟ وأين الآباء والأجداد؟ وأين العليل والعواد؟ كل له معاد، يقسم قس برب العباد، وساطح المهاد، لتحشرن على الانفراد، في يوم التناد، ذا نفخ في الصور، ونقر في الناقور، وأشرقت الأرض ووعظ الواعظ، فانتبذ القانط وأبصر اللاحظ فويل لمن صرف عن الحق الأشهر، والنور والأزهر، والعرض الأكبر في يوم الفصل، وميزات العدل، إذا حكم القدير، وشهد النذير، وبعد النصير، وظهر التقصير، ففريق من الجنة وفريق في السعير)).
يتبع....