اسد العان
16-01-2005, 05:28 PM
:confused: جمعني القدرُ بصديق ٍ أطربُ لحديثهِ ، وآنسُ لمجلسهِ ، بيني وبينهُ صُحبة ٌ تليدة ٌ ، وذِكرى عبِقة ٌ ، لا أجالسهُ إلا ويتجدّدُ لي من عهدِ الصبا ما يتجدّدُ ، فهو في هدوءِ السّحَر ِ ، وإشراقةِ الصبح ِ ، ورقّةِ النسيم ِ ، على كرم ٍ في خلقهِ ، وسخاءٍ في يدهِ ، ووضاءةٍ من الحُسن ِ في مُحيّاهُ .
تحادثتُ معهُ عن المطاعم ِ وما يُستطابُ منها ، وهو في هذا هادٍ خرّيتٌ ، لا ينقصهُ فهمٌ ولا تُعوزهُ ذائقة ٌ ، يجدُ متعة َ الطعام ِ كما يجدُ أحدُنا لذّة َ الرّاحةِ والدعةِ ، وأعرفُ أنّهُ يستجيدُ الفاخرَ من المآكل ِ والمشاربِ ، ويبحثُ عن طريفِها وتالدها ، ولا يكادُ يخرمُ من مطاعم ِ المدينةِ مطعماً إلا وقد سبرَ أغوارهُ ، مادحاً لهذا ، وذامّاً لذاكَ .
في تلكَ الجلسةِ الوادعةِ معهُ ، وسوسَ إليَّ بأمر ِ أحدِ المطاعم ِ ، فكالَ لهُ من صنوفِ المديح ِ ما لم يقلهُ أبو الطيّبِ في سيفِ الدولةِ ، حتّى خِلتُ طعامهُ من موائدِ الجنّةِ العامرةِ ، ولأنّي أثقُ في ذوق ِ صاحبي وأطمئنُّ لاختيار ِ بطنهِ ، قرّرتُ زيارة َ ذلكَ المكان ِ .
أخذتُ بعضَ أهلي وذهبتُ ، فدلفتُ إلى قاعةِ الطعام ِ فيهِ ، وقدّمَ لنا النادلُ ورقة ً فيها صنوفُ المطاعم ِ والمشاربِ ، ما لذَّ وطابَ وامتصَّ الدراهمَ ! ، وبينا أنا في غمرةِ الطلبِ ، إذ بصوتٍ يبتدرُ سمعي ، ويتهادي إليَّ من الطاولةِ التي بجوارِنا ، صوتٌ تعلوهُ الرّقة ُ ، وتغشاهُ العذوبة ُ ، وينسمُ من جنباتهِ الحنانُ ، والصوتُ صوتُ امرأةٍ ! .
قرّرتُ أن أطلبَ ، فطلبتُ وجاءَ العشاءُ بضروبهِ وصنوفهِ : مقبّلاتٌ ، فالوجبة ُ الرئيسة ُ ، فالعصيرُ ، ثمَّ كانتِ الخاتمة ُ الحلواءَ ، وفي أثناءِ عشاءي كنتُ أسمعُ صوتَ المرأةِ تتحدّثُ ، لا يكادُ ينقطعُ صوتُها ، أو تكِلُ حنجرتُها ، وما كانَ يقطعُ صوتَها إلا صوتٌ أخفتُ وأهدأ ، لرجل ٍ كانَ معها ، وقد أمعنَ في الإنصاتِ ، يؤكّدُ كلامها ويقولُ : صحيح ! ، صحيح ! ، متوخيّاً في ذلكَ الحذرَ من بأسِها .
مكثتْ هذه السيّدة ُ تتحدّثُ - دونَ أن ينبسَ من معها ببنتِ شفّةٍ - ما يزيدُ عن الساعةِ ! ، واللهِ ما تعبتْ ! ، ولا تلكأتْ ، ولا تردّدتْ ، ولا تلعثمتْ ، بل أرسلتْ نفسها على سجيّتها تتحدّثُ ، وكانوا في المطعم ِ من قبلَ أن آتيَهُ، وقد أحصيتُ من حديثِها مع ذلكَ المسكين ِ ما يربو عن الساعةِ ، نزلتْ عليهِ خلالها نزولَ السيل ِ على الوادي ، فكيفَ بما كانَ من حديثِهم قبلُ ! ، والعجيبُ من أمر ِ حديثِها أنّها لا تسكتُ مُطلقاً ، وحتّى إذا تحدّثَ البائسُ الذي معها ليؤكّدَ كلامها أو يُبرهنَ صحّتهُ ، تقاطعهُ عجلى لتمضيَ ماخرة ً عبابَ السهرةِ بحديثِها الغثِّ ، وأنا بينَ ذلكَ على حالةٍ من الوجوم ِ التامِّ ، يتخلّلهُ بعضُ الوعي ! .
إذا كانَ هذا زوجاً لها ، فقد - واللهِ - وقعتْ بهِ الواقعة ُ ، كيفَ سيقضي يومهُ معها في بيتِها ، وهي من لم تسكتْ ولو للحظةٍ واحدةٍ ، في مطعم ٍ يرتادهُ العامّة ُ من النّاس ِ !! ، وإذا كانَ ذلكَ خِلاً لها وأنيساً ، فكيفَ سيصبرُ على دفع ِ فاتورةِ هاتفِها إذا هاتفها وأخذتْ تُحادثُهُ حديثَ الوالهِ الصبِّ ، دونَ أن تجعلهُ يبلعُ ريقهُ أو تأذنَ لهُ بانصرافٍ ؟! .
إنّها غريزة ُ الهذرةِ المركوزة ُ في جبلّةِ النساءِ ، وتبلغ ُ تلكَ الغريزة ُ ذروتها ، حين يجتمعنَ في أمسيةٍ من الأماسي ! .
كنتُ يوماً أجتاز بهوَ البيتِ ، فسمعتُ من أحدِ الغرفِ نسوة ً يتحدّثنَ ، واللهِ ما علمتُ المتحدّثة َ مِن المُنصتةِ ! ، كلهنَّ يتحدّثنَ في ذاتِ اللحظةِ ، والجميعُ يستمعُ ، ثمَّ تدّعي كلُّ واحدةٍ منهنَّ أنّها حفِظتْ المقصودَ ، وفهِمتِ المُرادَ ، واستوعبتِ الجلسة َ وما دارَ فيها ! .
كم بينَ المرأةِ وبينَ الصمتِ أو التخيّر ِ في المنطق ِ ! ، أظنُّ هذا ضرباً من المُحال ِ ، ولهذا صارتْ شِكاة ُ أكثر ِ الأزواج ِ وفرة َ حديثِ المرأةِ ، مع تبرّمها لقلّةِ حديثهِ ، فهذه تعُبُّ الحديثَ عبّاً ، وذاك حيّة ٌ صمّاءُ ، ومن تكرّمَ من الأزواج ِ فإنّهُ يهزُّ أعطافهُ أو يُشيرُ برأسهِ ، مُشعراً زوجهُ أنّهُ معها ! ، حتّى لا تبتئسَ أو تتحطّمَ .
المرأة ُ تطربُ من الرّجل ِ أن يتكلّمَ عنها أو معها ، والرّجلُ يُريدُ منها أن تُحسنَ ما تعملهُ ، وليكُنْ كلُّ شيءٍ بمقدار ٍ ، فكثرة ُ الكلام ِ يحدو على الملل ِ ، ويخلقُ الرّتابة َ ، والصمتُ المُريبُ من الزوج ِ يبعثُ على الريبةِ في أمرهِ ، ولن تجدَ المرأة ُ تأويلاً حينها أسهلَ من تعلّق ِ زوجِها بغيرِها ، وصبوتِهِ إلى أخرى ، وإلا لما صمتَ أو سكتَ ! ، فيجبُ عليهما جميعاً أنْ يُهذّبا طبعهما ، ويتلطّفا في مشاعرِهما ، ويسقيا وردة َ المحبّةِ بماءِ الرحمةِ والصبر ِ ، قبلَ أن تذوي وتهوي في صحراءِ المشاعر ِ القتيلةِ ، فتنتشرَ حينها الجهومة ُ في المنزل ِ ، والسآمة ُ في المُعاشرةِ .
دمتم بخير ٍ .
تحادثتُ معهُ عن المطاعم ِ وما يُستطابُ منها ، وهو في هذا هادٍ خرّيتٌ ، لا ينقصهُ فهمٌ ولا تُعوزهُ ذائقة ٌ ، يجدُ متعة َ الطعام ِ كما يجدُ أحدُنا لذّة َ الرّاحةِ والدعةِ ، وأعرفُ أنّهُ يستجيدُ الفاخرَ من المآكل ِ والمشاربِ ، ويبحثُ عن طريفِها وتالدها ، ولا يكادُ يخرمُ من مطاعم ِ المدينةِ مطعماً إلا وقد سبرَ أغوارهُ ، مادحاً لهذا ، وذامّاً لذاكَ .
في تلكَ الجلسةِ الوادعةِ معهُ ، وسوسَ إليَّ بأمر ِ أحدِ المطاعم ِ ، فكالَ لهُ من صنوفِ المديح ِ ما لم يقلهُ أبو الطيّبِ في سيفِ الدولةِ ، حتّى خِلتُ طعامهُ من موائدِ الجنّةِ العامرةِ ، ولأنّي أثقُ في ذوق ِ صاحبي وأطمئنُّ لاختيار ِ بطنهِ ، قرّرتُ زيارة َ ذلكَ المكان ِ .
أخذتُ بعضَ أهلي وذهبتُ ، فدلفتُ إلى قاعةِ الطعام ِ فيهِ ، وقدّمَ لنا النادلُ ورقة ً فيها صنوفُ المطاعم ِ والمشاربِ ، ما لذَّ وطابَ وامتصَّ الدراهمَ ! ، وبينا أنا في غمرةِ الطلبِ ، إذ بصوتٍ يبتدرُ سمعي ، ويتهادي إليَّ من الطاولةِ التي بجوارِنا ، صوتٌ تعلوهُ الرّقة ُ ، وتغشاهُ العذوبة ُ ، وينسمُ من جنباتهِ الحنانُ ، والصوتُ صوتُ امرأةٍ ! .
قرّرتُ أن أطلبَ ، فطلبتُ وجاءَ العشاءُ بضروبهِ وصنوفهِ : مقبّلاتٌ ، فالوجبة ُ الرئيسة ُ ، فالعصيرُ ، ثمَّ كانتِ الخاتمة ُ الحلواءَ ، وفي أثناءِ عشاءي كنتُ أسمعُ صوتَ المرأةِ تتحدّثُ ، لا يكادُ ينقطعُ صوتُها ، أو تكِلُ حنجرتُها ، وما كانَ يقطعُ صوتَها إلا صوتٌ أخفتُ وأهدأ ، لرجل ٍ كانَ معها ، وقد أمعنَ في الإنصاتِ ، يؤكّدُ كلامها ويقولُ : صحيح ! ، صحيح ! ، متوخيّاً في ذلكَ الحذرَ من بأسِها .
مكثتْ هذه السيّدة ُ تتحدّثُ - دونَ أن ينبسَ من معها ببنتِ شفّةٍ - ما يزيدُ عن الساعةِ ! ، واللهِ ما تعبتْ ! ، ولا تلكأتْ ، ولا تردّدتْ ، ولا تلعثمتْ ، بل أرسلتْ نفسها على سجيّتها تتحدّثُ ، وكانوا في المطعم ِ من قبلَ أن آتيَهُ، وقد أحصيتُ من حديثِها مع ذلكَ المسكين ِ ما يربو عن الساعةِ ، نزلتْ عليهِ خلالها نزولَ السيل ِ على الوادي ، فكيفَ بما كانَ من حديثِهم قبلُ ! ، والعجيبُ من أمر ِ حديثِها أنّها لا تسكتُ مُطلقاً ، وحتّى إذا تحدّثَ البائسُ الذي معها ليؤكّدَ كلامها أو يُبرهنَ صحّتهُ ، تقاطعهُ عجلى لتمضيَ ماخرة ً عبابَ السهرةِ بحديثِها الغثِّ ، وأنا بينَ ذلكَ على حالةٍ من الوجوم ِ التامِّ ، يتخلّلهُ بعضُ الوعي ! .
إذا كانَ هذا زوجاً لها ، فقد - واللهِ - وقعتْ بهِ الواقعة ُ ، كيفَ سيقضي يومهُ معها في بيتِها ، وهي من لم تسكتْ ولو للحظةٍ واحدةٍ ، في مطعم ٍ يرتادهُ العامّة ُ من النّاس ِ !! ، وإذا كانَ ذلكَ خِلاً لها وأنيساً ، فكيفَ سيصبرُ على دفع ِ فاتورةِ هاتفِها إذا هاتفها وأخذتْ تُحادثُهُ حديثَ الوالهِ الصبِّ ، دونَ أن تجعلهُ يبلعُ ريقهُ أو تأذنَ لهُ بانصرافٍ ؟! .
إنّها غريزة ُ الهذرةِ المركوزة ُ في جبلّةِ النساءِ ، وتبلغ ُ تلكَ الغريزة ُ ذروتها ، حين يجتمعنَ في أمسيةٍ من الأماسي ! .
كنتُ يوماً أجتاز بهوَ البيتِ ، فسمعتُ من أحدِ الغرفِ نسوة ً يتحدّثنَ ، واللهِ ما علمتُ المتحدّثة َ مِن المُنصتةِ ! ، كلهنَّ يتحدّثنَ في ذاتِ اللحظةِ ، والجميعُ يستمعُ ، ثمَّ تدّعي كلُّ واحدةٍ منهنَّ أنّها حفِظتْ المقصودَ ، وفهِمتِ المُرادَ ، واستوعبتِ الجلسة َ وما دارَ فيها ! .
كم بينَ المرأةِ وبينَ الصمتِ أو التخيّر ِ في المنطق ِ ! ، أظنُّ هذا ضرباً من المُحال ِ ، ولهذا صارتْ شِكاة ُ أكثر ِ الأزواج ِ وفرة َ حديثِ المرأةِ ، مع تبرّمها لقلّةِ حديثهِ ، فهذه تعُبُّ الحديثَ عبّاً ، وذاك حيّة ٌ صمّاءُ ، ومن تكرّمَ من الأزواج ِ فإنّهُ يهزُّ أعطافهُ أو يُشيرُ برأسهِ ، مُشعراً زوجهُ أنّهُ معها ! ، حتّى لا تبتئسَ أو تتحطّمَ .
المرأة ُ تطربُ من الرّجل ِ أن يتكلّمَ عنها أو معها ، والرّجلُ يُريدُ منها أن تُحسنَ ما تعملهُ ، وليكُنْ كلُّ شيءٍ بمقدار ٍ ، فكثرة ُ الكلام ِ يحدو على الملل ِ ، ويخلقُ الرّتابة َ ، والصمتُ المُريبُ من الزوج ِ يبعثُ على الريبةِ في أمرهِ ، ولن تجدَ المرأة ُ تأويلاً حينها أسهلَ من تعلّق ِ زوجِها بغيرِها ، وصبوتِهِ إلى أخرى ، وإلا لما صمتَ أو سكتَ ! ، فيجبُ عليهما جميعاً أنْ يُهذّبا طبعهما ، ويتلطّفا في مشاعرِهما ، ويسقيا وردة َ المحبّةِ بماءِ الرحمةِ والصبر ِ ، قبلَ أن تذوي وتهوي في صحراءِ المشاعر ِ القتيلةِ ، فتنتشرَ حينها الجهومة ُ في المنزل ِ ، والسآمة ُ في المُعاشرةِ .
دمتم بخير ٍ .