فكاك النشب
05-03-2002, 10:02 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
في غاية الرؤيا نرى عناصر تتخلق: مشمولة برعب الواقع، مجبولة بالرغبة وشهوة الاقتحام. إنها تزدرد المرارات وتثق في يأس يثمر أملاالأفق، وحده الذي يغرينا ويغوينا. ويهدينا الحلم، نحن المخبولون بالكتابة، في غموض الملابسات اللانهائية التي تسمى: الحياة. قادر أن يمنحنا لذة الاكتشاف ورجفة العناصر عند الاتصال. عوالم تنأى بعيدا عن القداسات والخرائب. تلك هي ابتكارات الحلم الذي به ننجو من التلوث والتفسخ. ونشهق في بهاء الكون أن يكون.
إذن، سنهب للأشباح خطيئة الحضور. كل الأشباح المحبوسة في أحلامنا سنطلقها في هذا الصراخ المهيمن. سوف نسيء إلى نوم الآخرين، وننتهك أسرتهم التي لا تحلم. من يحمل عبء الواقع يتضمخ برذاذ الحلم. إنه السلاح الأشد سطوعا، الأكثر توهجا في الوقت الراهن.. به يبتكر الكاتب ما لا يمكن توقعه، ولا يمتثل لمنظومات الفكر والكتابة السائدة. نحن نحاول، مع آخرين هنا وهناك، أن نفتح نافذة لنطل من خلالها على الأفق الشاسع.. أفق الكتابة. ويقينا ثمة نوافذ كثيرة مغلقة، ترجو فتحها، لنطل- أو نعبر- من خلالها نحو مجال يتيح لنا أن نرى بشكل أفضل، وأكثر إنسانية أو كونية.
أسر اللذة، حلم يسطع. ضد النص الأول هذا هو الهاجس المتأجج في التجربة الطالعة. ليس كل ما يكتب نموذجا، ولا سطوة له على المخيلة. إن لم تستطع هذه المخيلة أن تبدع نصوصها الجديدة بشروط إبداعية جديدة، فمن الأجدى أن تنتحر.
علينا أن نكسر هذا الكيظ والتحفظ الغالب علينا ونعلن أن لكل كاتب الحق في صياغة الحاضر، مثلما كان للأسلاف حقهم في صياغة الماضي.
هكذا ننجز شيئا ليس وثنا، مرشحا للتحول والتجدد.. وحتى الهدم. لا نحاكي أحدا، لكننا في العراء عرضة لرياح التجارب والإبداعات، نتأثر بها، نتفاعل معها.
نستمد مصادرنا من الواقع، لكننا لا نعكسه ولا نحاكيه، ما نراه لا يمثل حقيقة الواقع، بل صورة مصغرة، ناقصة، وغالبا ما تكون زائفة ومشوهة. خلف ما نراه يكمن النصف الآخر، المكمل، الذي هو ربما أوسع وأشمل. أننا نحاول الوصول إلى هذا المستتر، الخفي، بأدوات الحلم والمخيلة.
وراء نصل العتبات: سهل يضحك:
لا نبحث في السطح بل نحاول اقتحام الباطن، لا نكتفي بالمعطيات والنتائج، إنما نغزو الموقع الذي منه تتشكل العلاقات والحالات. فالذي يرصد الظواهر يتعين عليه أن يتقن الإمساك بالعناصر والأبعاد، مسلحا- لا بالحدقة وحدها ولكن- بالغريزة والحدس و الرؤيا وبعض مهارات الحاوي. أي أن يكون مزيجا من الشاعر والروائي و الفيلسوف والكيميائي والساحر، عندئذ:
التفاحة تصير منجما، والخوذات للزينة.
الإبداع مساءلة دائمة للواقع، شك دائم في الأجوبة التي لم تعد تشبع فينا سوى الرغبة في الاحتماء والتحصن خلف أسئلة جديدة. طرقات تترقب القدم الجسورة التي تبدأ الخطوة.. هي أشد وعورة ولكنها ترشد إلى الجهة السليمة التي لا يفتحها سوى سؤال آخر.
لذ يستهوينا استجواب الواقع
لذا يستهوينا إغواء المستتر
للوعي إيقاع يتشكل داخل الموضوع لحظة الكتابة. إيقاع جامح لا يتآلف معه غير من يغامر. ذلك الذي يجيد مخاطبة الطفل الكامن في اللغة، ويقدر أن يمتزج بمنطق الأشياء وغواية الموضوعية.
في المخيلة تكمن البراءة. في الشارع يعلو ضجيج الكلام. الواقع يقترح البشاعة ويريد إغواءنا لقبول ما ينجب. إن كان ثمة مجد، ففي صهر العالم وتحويله إلى ملعب أو منتزه.
الموضوع يكتب الراي. نهذي قليلا ليبدأ نظام من الفوضى يخترق حاجز المعنى و المعجم والمستنقعات. ربما رأينا في الكلمات ذكورة وفي الحرف أنوثة تتيح للنص خطيئة تنقذ اللغة من عادة الوأد.
.
الكتابة نقيض الكلام. الكلام لسان الواقع. الكتابة هذيان الحلم وتجليه في آن، نواجه المعقول بالغرابة، بهذه الطريقة نفضح لا معقولية الشارع التي كانت تستر نفسها بالمنطق والوعظ والخطب.
إننا نعرف جيدا أن الكتابة رعشة الجسد، بينما الكلام سيظل أبدا علفا للأذن. تراكمات بلاغية تؤله الشارع. نحرق هذه الأكوام ونمجد الغابة.
الكتابة- إذن- تدمير لعناصر الواقع بعناصر الحلم .
نعرف أن كل كتابة موقف، لكننا لا نزعم أننا قادرون أو مؤهلون لأن نغير الكون. مهمتنا أن نشير إلى الخلل، أن نفضح، أن ندلي بشهادتنا ونمضي صامتين.. ربما أكثر حزنا من قبل.
نرنو الرابض في الخندق، نشاطره الحلم والرغبة، وأحيانا نتبادل الاكتشافات.
الكتابة- بالنسبة لنا- متعة ذاتية. نأتي لنكتشف ما يذهلنا. ليست لدينا مواعظ. نكتب لنتعلم لا لنعلم. اكتساب مهارات.
التجريب بذرة الإبداع
نقدر الآن أن نستحضر كافة منجزات الإبداع البشري وصهرها في موقدنا، وإنضاجها بلهبنا. نزعم ذلك بكل وقاحة. نزعم أيضا أننا نقدر الآن أن نكتب تجربتنا بشروطنا وعناصرنا الذاتية.
لا نشعر بالرهبة في مواجهة تجارب الآخرين. هذا يعني أننا نملك حرية في الكتابة لا يملكها أولئك الذين يدعون فهم كل شيء.. مهمتنا أيضا أن نرعب الآخرين، بخاصة، أولئك الذين ينظرون في اتجاه واحد يكتبون بطريقة واحدة.
نحن والعالم حول مائدة الحوار: استنطاق.
نقف خارج دائرة التيارات والمدارس. لا نتبع راية. نجرب، نلملم شظايا الذاكرة التي اختزنت الإبداعات الإنسانية، ونجرب. لا سطوة لأحد أو شيء في لحظة الكتابة. الكتابة سفر. انتقال من المعلوم إلىالمجهول، من الألفة إلى الغرابة، من الواضح إلى الغامض.
نخترق الغامض لنكتشف اللغز،وكل لغز يجر لغزا. من يستطيع أن يؤكد أن الوصول إلى اللب يستدعي شكلا معينا ومحددا؟ غرابة مجال، اكتشافات لا تحصى.
نسعى إلى التحرر من القوانين والمفاهيم .
لمن نكتب؟ سؤال داعر، خبيث، جبان، يدعو، ضمنا، إلى القبول والامتثال، إلى المهادنة والتملق، إلى كبح كل خروج عن المألوف.
وبأننا: ضد الإرهاب الذي يمارسه القارئ (والكاتب والناقد والناشر وبقية المؤسسات) حين يفرض تصورا أو مفهوما، محددا وثابتا، ويطلب من كل كتابة أن تخضع له.
ضد القارئ المستهلك. مع القارئ الفاعل.
ضد القارئ الذي يبحث عن الحلول والتغيير والثورة، في كتاب، لينام رائق الذهن على سرير مريح.
ضد ما هو مقولب ومعلب ومهين للذكاء البشري.
ضد كل كتابة تهادن وتتملق القارئ (وبالتالي تزيف واقعه وتحرف وعيه).
لا شأن لنا بالناقد الذي يلج النص بأدوات لا تتجانس مع الموضوع ذاته. نقبل به، ونوليه إهتمامنا، إذا تجرد من مواقفه ومنطلقاته واستنتاجاته وأدواته السابقة.
على الناقد الراغب في الدخول أن يحمل معولا صقيلا. لن نحتال عليه بالقول إنه في منتزه، لأنه سيجد نفسه في نفق منجم. قد يكتشف ذهبا أو حجرا.. المزيد من الأحجار. إذا اتكأ على مقولات ونظريات، باتت مبتذلة ومستهلكة من فرط تداولها، فسوف يخوض في الممرات تائها ولن ننجده، بل نتفرج عليه من ثقب ونضحك على ورطته.
كيف، إذن يقبل الامتثال؟
نقول، كل نص يبتكر قوانينه الخاصة. يأتي آخر ليلغي ويبتكر. وكل تحول إشراقة.
النقد فعل إبداعي. هكذا نفهم. لكن الكثيرين يمارسون النقد كفعل قضائي. بالتالي، تظل الهوة قائمة.
نكتب نصا لننجو من فخاخ المصطلحات والتنظيرات. لا نعتقد بأن ذلك سيلوث أو يشوه منجزات العقل البشري. لكن نجزم بأن الأوثان الراهنة تنتفض هلعا لمجرد أن يكفر المرء في الانعتاق من سطوتها وهدم مقدساتها.
بالكتابة نتحدى القارئ والناقد، نتحدى ذواتنا. نحرض الغامض أن يسطع لكي يريك، يستفز، يصدم. وإذا شعر أحد بأننا نهرب إلى الوضوح أحيانا، فلأننا- مثل غيرنا- ليست لنا القدرة، دائما على مجابهة الغامض، سر الإنسان، سر الأشياء. الجمهور الذي اعتاد على التلقين لن يجد متعة في متابعة رحلتنا، لذا نريد جمهورا لم يروض بعد لكي يرى معنا، أو يفترسنا.
ولكم منى التحية والتقدير
في غاية الرؤيا نرى عناصر تتخلق: مشمولة برعب الواقع، مجبولة بالرغبة وشهوة الاقتحام. إنها تزدرد المرارات وتثق في يأس يثمر أملاالأفق، وحده الذي يغرينا ويغوينا. ويهدينا الحلم، نحن المخبولون بالكتابة، في غموض الملابسات اللانهائية التي تسمى: الحياة. قادر أن يمنحنا لذة الاكتشاف ورجفة العناصر عند الاتصال. عوالم تنأى بعيدا عن القداسات والخرائب. تلك هي ابتكارات الحلم الذي به ننجو من التلوث والتفسخ. ونشهق في بهاء الكون أن يكون.
إذن، سنهب للأشباح خطيئة الحضور. كل الأشباح المحبوسة في أحلامنا سنطلقها في هذا الصراخ المهيمن. سوف نسيء إلى نوم الآخرين، وننتهك أسرتهم التي لا تحلم. من يحمل عبء الواقع يتضمخ برذاذ الحلم. إنه السلاح الأشد سطوعا، الأكثر توهجا في الوقت الراهن.. به يبتكر الكاتب ما لا يمكن توقعه، ولا يمتثل لمنظومات الفكر والكتابة السائدة. نحن نحاول، مع آخرين هنا وهناك، أن نفتح نافذة لنطل من خلالها على الأفق الشاسع.. أفق الكتابة. ويقينا ثمة نوافذ كثيرة مغلقة، ترجو فتحها، لنطل- أو نعبر- من خلالها نحو مجال يتيح لنا أن نرى بشكل أفضل، وأكثر إنسانية أو كونية.
أسر اللذة، حلم يسطع. ضد النص الأول هذا هو الهاجس المتأجج في التجربة الطالعة. ليس كل ما يكتب نموذجا، ولا سطوة له على المخيلة. إن لم تستطع هذه المخيلة أن تبدع نصوصها الجديدة بشروط إبداعية جديدة، فمن الأجدى أن تنتحر.
علينا أن نكسر هذا الكيظ والتحفظ الغالب علينا ونعلن أن لكل كاتب الحق في صياغة الحاضر، مثلما كان للأسلاف حقهم في صياغة الماضي.
هكذا ننجز شيئا ليس وثنا، مرشحا للتحول والتجدد.. وحتى الهدم. لا نحاكي أحدا، لكننا في العراء عرضة لرياح التجارب والإبداعات، نتأثر بها، نتفاعل معها.
نستمد مصادرنا من الواقع، لكننا لا نعكسه ولا نحاكيه، ما نراه لا يمثل حقيقة الواقع، بل صورة مصغرة، ناقصة، وغالبا ما تكون زائفة ومشوهة. خلف ما نراه يكمن النصف الآخر، المكمل، الذي هو ربما أوسع وأشمل. أننا نحاول الوصول إلى هذا المستتر، الخفي، بأدوات الحلم والمخيلة.
وراء نصل العتبات: سهل يضحك:
لا نبحث في السطح بل نحاول اقتحام الباطن، لا نكتفي بالمعطيات والنتائج، إنما نغزو الموقع الذي منه تتشكل العلاقات والحالات. فالذي يرصد الظواهر يتعين عليه أن يتقن الإمساك بالعناصر والأبعاد، مسلحا- لا بالحدقة وحدها ولكن- بالغريزة والحدس و الرؤيا وبعض مهارات الحاوي. أي أن يكون مزيجا من الشاعر والروائي و الفيلسوف والكيميائي والساحر، عندئذ:
التفاحة تصير منجما، والخوذات للزينة.
الإبداع مساءلة دائمة للواقع، شك دائم في الأجوبة التي لم تعد تشبع فينا سوى الرغبة في الاحتماء والتحصن خلف أسئلة جديدة. طرقات تترقب القدم الجسورة التي تبدأ الخطوة.. هي أشد وعورة ولكنها ترشد إلى الجهة السليمة التي لا يفتحها سوى سؤال آخر.
لذ يستهوينا استجواب الواقع
لذا يستهوينا إغواء المستتر
للوعي إيقاع يتشكل داخل الموضوع لحظة الكتابة. إيقاع جامح لا يتآلف معه غير من يغامر. ذلك الذي يجيد مخاطبة الطفل الكامن في اللغة، ويقدر أن يمتزج بمنطق الأشياء وغواية الموضوعية.
في المخيلة تكمن البراءة. في الشارع يعلو ضجيج الكلام. الواقع يقترح البشاعة ويريد إغواءنا لقبول ما ينجب. إن كان ثمة مجد، ففي صهر العالم وتحويله إلى ملعب أو منتزه.
الموضوع يكتب الراي. نهذي قليلا ليبدأ نظام من الفوضى يخترق حاجز المعنى و المعجم والمستنقعات. ربما رأينا في الكلمات ذكورة وفي الحرف أنوثة تتيح للنص خطيئة تنقذ اللغة من عادة الوأد.
.
الكتابة نقيض الكلام. الكلام لسان الواقع. الكتابة هذيان الحلم وتجليه في آن، نواجه المعقول بالغرابة، بهذه الطريقة نفضح لا معقولية الشارع التي كانت تستر نفسها بالمنطق والوعظ والخطب.
إننا نعرف جيدا أن الكتابة رعشة الجسد، بينما الكلام سيظل أبدا علفا للأذن. تراكمات بلاغية تؤله الشارع. نحرق هذه الأكوام ونمجد الغابة.
الكتابة- إذن- تدمير لعناصر الواقع بعناصر الحلم .
نعرف أن كل كتابة موقف، لكننا لا نزعم أننا قادرون أو مؤهلون لأن نغير الكون. مهمتنا أن نشير إلى الخلل، أن نفضح، أن ندلي بشهادتنا ونمضي صامتين.. ربما أكثر حزنا من قبل.
نرنو الرابض في الخندق، نشاطره الحلم والرغبة، وأحيانا نتبادل الاكتشافات.
الكتابة- بالنسبة لنا- متعة ذاتية. نأتي لنكتشف ما يذهلنا. ليست لدينا مواعظ. نكتب لنتعلم لا لنعلم. اكتساب مهارات.
التجريب بذرة الإبداع
نقدر الآن أن نستحضر كافة منجزات الإبداع البشري وصهرها في موقدنا، وإنضاجها بلهبنا. نزعم ذلك بكل وقاحة. نزعم أيضا أننا نقدر الآن أن نكتب تجربتنا بشروطنا وعناصرنا الذاتية.
لا نشعر بالرهبة في مواجهة تجارب الآخرين. هذا يعني أننا نملك حرية في الكتابة لا يملكها أولئك الذين يدعون فهم كل شيء.. مهمتنا أيضا أن نرعب الآخرين، بخاصة، أولئك الذين ينظرون في اتجاه واحد يكتبون بطريقة واحدة.
نحن والعالم حول مائدة الحوار: استنطاق.
نقف خارج دائرة التيارات والمدارس. لا نتبع راية. نجرب، نلملم شظايا الذاكرة التي اختزنت الإبداعات الإنسانية، ونجرب. لا سطوة لأحد أو شيء في لحظة الكتابة. الكتابة سفر. انتقال من المعلوم إلىالمجهول، من الألفة إلى الغرابة، من الواضح إلى الغامض.
نخترق الغامض لنكتشف اللغز،وكل لغز يجر لغزا. من يستطيع أن يؤكد أن الوصول إلى اللب يستدعي شكلا معينا ومحددا؟ غرابة مجال، اكتشافات لا تحصى.
نسعى إلى التحرر من القوانين والمفاهيم .
لمن نكتب؟ سؤال داعر، خبيث، جبان، يدعو، ضمنا، إلى القبول والامتثال، إلى المهادنة والتملق، إلى كبح كل خروج عن المألوف.
وبأننا: ضد الإرهاب الذي يمارسه القارئ (والكاتب والناقد والناشر وبقية المؤسسات) حين يفرض تصورا أو مفهوما، محددا وثابتا، ويطلب من كل كتابة أن تخضع له.
ضد القارئ المستهلك. مع القارئ الفاعل.
ضد القارئ الذي يبحث عن الحلول والتغيير والثورة، في كتاب، لينام رائق الذهن على سرير مريح.
ضد ما هو مقولب ومعلب ومهين للذكاء البشري.
ضد كل كتابة تهادن وتتملق القارئ (وبالتالي تزيف واقعه وتحرف وعيه).
لا شأن لنا بالناقد الذي يلج النص بأدوات لا تتجانس مع الموضوع ذاته. نقبل به، ونوليه إهتمامنا، إذا تجرد من مواقفه ومنطلقاته واستنتاجاته وأدواته السابقة.
على الناقد الراغب في الدخول أن يحمل معولا صقيلا. لن نحتال عليه بالقول إنه في منتزه، لأنه سيجد نفسه في نفق منجم. قد يكتشف ذهبا أو حجرا.. المزيد من الأحجار. إذا اتكأ على مقولات ونظريات، باتت مبتذلة ومستهلكة من فرط تداولها، فسوف يخوض في الممرات تائها ولن ننجده، بل نتفرج عليه من ثقب ونضحك على ورطته.
كيف، إذن يقبل الامتثال؟
نقول، كل نص يبتكر قوانينه الخاصة. يأتي آخر ليلغي ويبتكر. وكل تحول إشراقة.
النقد فعل إبداعي. هكذا نفهم. لكن الكثيرين يمارسون النقد كفعل قضائي. بالتالي، تظل الهوة قائمة.
نكتب نصا لننجو من فخاخ المصطلحات والتنظيرات. لا نعتقد بأن ذلك سيلوث أو يشوه منجزات العقل البشري. لكن نجزم بأن الأوثان الراهنة تنتفض هلعا لمجرد أن يكفر المرء في الانعتاق من سطوتها وهدم مقدساتها.
بالكتابة نتحدى القارئ والناقد، نتحدى ذواتنا. نحرض الغامض أن يسطع لكي يريك، يستفز، يصدم. وإذا شعر أحد بأننا نهرب إلى الوضوح أحيانا، فلأننا- مثل غيرنا- ليست لنا القدرة، دائما على مجابهة الغامض، سر الإنسان، سر الأشياء. الجمهور الذي اعتاد على التلقين لن يجد متعة في متابعة رحلتنا، لذا نريد جمهورا لم يروض بعد لكي يرى معنا، أو يفترسنا.
ولكم منى التحية والتقدير