الشـامـل
27-12-2002, 02:18 PM
للننطلق في ثنايا كتاب نجران...الارض والناس والتاريخ لكاتبه سيد الماحي:
كان الفلاح في نجران القديمة يملك الآبار والنخيل وقطعان الغنم وبعض الابل، وكان برغم حبه للتجمع القبلي يملك بعضها بعيدا عن محل سكنه وسكن قبيلته ، فكانت آباره أحيانا تتفرق هنا وهناك في أرض نجران الشاسعة، ولذلك كانت محط أنظار القبائل المجاورة لها، فينقضون عليها إذا حدث بينه وبينهم أدنى خلاف، يجمعون خيراتها من البر والشعير والبلح ، ويأخذون ما فيها من قطعان وإبل إذا كان هدفهم هو النهب ، أما إذا كان هدفهم هو الانتقام فكانوا يعيثون في أرضه الخراب. فيقطعون نخيله ، ويهدمون آباره ويحرقون كل ما فيها من خير وأثر مستندين في تخريبهم على بعد هذه الآبار عن دياره ، وعدم قدرته على متابعة الدفاع عنها ، مهما كانت قوته وهيبة قبيلته .
وكان مع كل هذا ، لكل داء دواء ، فمع قانون القوة لا بد من أن يظهر ما يفعله (( فلا يفل الحديد إلا الحديد)) ولا يكسر الحيد(الصخره)إلا اختها، كما يقول أهل نجران ، فظهر في مجتمعهم قانون الأمان أو الحماية ويسميه أهل نجران (الضمة)، وبمقتضاه تصير أبار هذا الفلاح البعيدة عن دياره مؤمنه من قبل إحدى القبائل المجاورة لها ، فلا تستطيع أي قبيلة أخرى تخريبها ما دامت قد أصبحت في ضمة القبيلة المجاورة ، وإذا حدث أن اعتدت عليها إحدى القبائل ، فعلى القبيلة الحامية الدفاع عنها بكل ما تملك حتى تأخذ بثأرها كاملا ، لأنه في ذلك يكون الاعتداء مباشرا على القبيلة الحامية ، وليس على الفلاح الذي يملك هذه الآبار.
وما على الفلاح صاحب هذه الآبار البعيدة عنه إلا أن يذهب إلى أحد الأعيان من بطون القبائل القوية والتي يجاور موطنها أرضه فيطلب منه أن يؤمنه في أرضه، وفي هذه الحالة لا بد أن يقبل مطلبه مهما كان ، لأسباب عده منها : شجاعتهم وقوة شكيمتهم التي تأبي على نفسها رد أي مطلب مهما كان مكلفا وأيضا لان للحماية مقابلا ماديا ينص عليه قانون القبائل وهو كالآتي:
عن كل بئر واحدة تتقاضي القبيلة الحامية ماقيمته : أربعة وعشرون صاعا من كل صنف من الحبوب المزروعة في أرضه ، سواء كانت قمحا أو شعيرا أو ذرة بالإضافة إلى (عذق)* من البلح عن كل نخلة يملكها الفلاح في أرضه … ومقابل ذلك تحمي القبيلة التي باسمها الضمة مزروعاته على مدار السنه من النهب والسرقة ، وتحمي أيضا آباره من الهدم وأرضه وسوانية* من التدمير.
ومن شروط هذا القانون : عدم تدخل القبيلة الحامية في أي قتال يخص صاحب الآبار أو يخص قبيلته ، إلا إذا تعدت القبيلة التي تعاديه على أباره ومزارعه التي تحت حمايتها .
هذا هو قانون الارض والملكية والعمل ، أما قانون الجريمة فيتلخص في الآتي : إذا قتل شخص ما نفرا أو أكثر بجنبيته أو سيفه أو عوده (حربه ذات ساق طويل) وطلب أهل المقتول رأسه للثأر والانتقام – خاصة إذا كان من قبيلة ضعيفة – فما عليه إلا أن يلم رحاله فيحمل أمتعته ويسوق أبله وغنمه وأولاده إلى احد الرجال الأقوياء من بطون القبائل الكبيرة ذات الهيبه ، فيطلب الاستجارة : أي الحماية ، وفي هذه الحالة لا بد أن يقبله مهما كان فعله ، لأن رده في مثل هذه الحالة يعتبر عارا لا يليق بالشهامة والنخوة العربية ، ولذلك لا بد أن يحمية على الأقل لمدة شهر واحد ، يؤمنه فيه على نفسه وخيراته وأولاده ، وبعدها ينزح من عنده ليبحث عن أحد الأقوياء الآخرين فيصير عنده مستجيرا مرة أخرى ، ويظل هكذا حاملا رحاله في كل شهر ليقيم عند أحد الأقوياء ، حتى يقضي الله بشيئ في أمره.
ومن الفروع التي تدور في فلك القانون:
أذا نزل غريب إلى إحدى المناطق التي تسكنها إحدى القبائل القوية فحل فيها بأولاده وغنمه وإبله ، صار مؤمنا من قبل القبيلة طوال المدة التي يقيمها في هذه المنطقة – حتى ولو أقام فيها طول عمره.
إذا تزوج أحد رجال القبائل القوية امرأه من قبيلة ما ، فأنجبت له ولدا ، وحدث بين قبيلة هذا الرجل وأخوال ولده قتال ، يقف الولد – في هذه الحالة – بجانب أخواله ضد القبيلة التي ينتمي إليها ، لأنه يعتبر أن قبيلته لم تحسب له وزنا عندما قاتلت أخواله ، هذا بالرغم من أنه لايقف بجوار أخواله إذا قاتلتهم قبائل غريبة ، لأنه يعتبر ذلك شيئا طبيعيا بين القبائل.
إذا كان لأحد الرجال من بطون القبائل القوية أخ من أمه وينتمي إلى قبيلة أخرى ، يقف بجواره في كل معركه ، خاصة إذا طلب أخوه منه ذلك .
أما قانون السوق فكان عجبا ، فالسوق مجتمع تجاري أسبوعي ، يعقده الناس لأجل تبادل السلع الزراعية والحرفية ، وحل المنازعات وجباية الرسوم وتبليغ الاعلانات العامة ، ولأجل ذلك كانت تحتويه المشاكل ، فيكثر فيه القتل والنهب ، والتخريب , فوضعت له القبائل قانونا قبليا ، بمقتضاه تعاقب القبيلة التي باسمها السوق أي شخص يقوم بالإجرام بعقوبة القتل والإباده لكل اسرته ، لأن القبيلة التي باسمها السوق لا بد أن تكون من أكبر القبائل وأكثرها شجاعة وعنوة ، وهي تدعو إلى السوق وتقيمه على أرضها وتنظمه وتشرف عليه ، وتؤمن الناس في غدوهم ورواحهم إليه طوال اليوم المنعقد فيه . بل تجعله يوما للسلام لا يحدث فيه قتل أو حرب حتى إنها إيغالا في التحكم في الأمن ، تتعهد بحماية النازح إليه من وقت خروجه من داره حتى عودته إليها ، وعلى من يتعرض له بالسلب أو النهب أو القتل أن يلقى جزاءه بالابادة التامه له ولأولاده وقبيلته ومزروعاته وأبله وغنمه ودياره ، وقد كان في نجران عدة أسواق تتصف بالهدوء والأمان الذي يتيح للناس قضاء حوائجهم طوال يوم كامل.
ومن أهم هذه الاسواق: سوق الخميس بالقابل بحماية آل الهندي ، وسوق الإثنين في بلاد بني سلمان بحماية بني سلمان ، وسوق الأحد بحماية قبيلة الصقور .
يتبع في طرح منفصل [دخـول نجران تحت لواء الحكم السعودي].
كان الفلاح في نجران القديمة يملك الآبار والنخيل وقطعان الغنم وبعض الابل، وكان برغم حبه للتجمع القبلي يملك بعضها بعيدا عن محل سكنه وسكن قبيلته ، فكانت آباره أحيانا تتفرق هنا وهناك في أرض نجران الشاسعة، ولذلك كانت محط أنظار القبائل المجاورة لها، فينقضون عليها إذا حدث بينه وبينهم أدنى خلاف، يجمعون خيراتها من البر والشعير والبلح ، ويأخذون ما فيها من قطعان وإبل إذا كان هدفهم هو النهب ، أما إذا كان هدفهم هو الانتقام فكانوا يعيثون في أرضه الخراب. فيقطعون نخيله ، ويهدمون آباره ويحرقون كل ما فيها من خير وأثر مستندين في تخريبهم على بعد هذه الآبار عن دياره ، وعدم قدرته على متابعة الدفاع عنها ، مهما كانت قوته وهيبة قبيلته .
وكان مع كل هذا ، لكل داء دواء ، فمع قانون القوة لا بد من أن يظهر ما يفعله (( فلا يفل الحديد إلا الحديد)) ولا يكسر الحيد(الصخره)إلا اختها، كما يقول أهل نجران ، فظهر في مجتمعهم قانون الأمان أو الحماية ويسميه أهل نجران (الضمة)، وبمقتضاه تصير أبار هذا الفلاح البعيدة عن دياره مؤمنه من قبل إحدى القبائل المجاورة لها ، فلا تستطيع أي قبيلة أخرى تخريبها ما دامت قد أصبحت في ضمة القبيلة المجاورة ، وإذا حدث أن اعتدت عليها إحدى القبائل ، فعلى القبيلة الحامية الدفاع عنها بكل ما تملك حتى تأخذ بثأرها كاملا ، لأنه في ذلك يكون الاعتداء مباشرا على القبيلة الحامية ، وليس على الفلاح الذي يملك هذه الآبار.
وما على الفلاح صاحب هذه الآبار البعيدة عنه إلا أن يذهب إلى أحد الأعيان من بطون القبائل القوية والتي يجاور موطنها أرضه فيطلب منه أن يؤمنه في أرضه، وفي هذه الحالة لا بد أن يقبل مطلبه مهما كان ، لأسباب عده منها : شجاعتهم وقوة شكيمتهم التي تأبي على نفسها رد أي مطلب مهما كان مكلفا وأيضا لان للحماية مقابلا ماديا ينص عليه قانون القبائل وهو كالآتي:
عن كل بئر واحدة تتقاضي القبيلة الحامية ماقيمته : أربعة وعشرون صاعا من كل صنف من الحبوب المزروعة في أرضه ، سواء كانت قمحا أو شعيرا أو ذرة بالإضافة إلى (عذق)* من البلح عن كل نخلة يملكها الفلاح في أرضه … ومقابل ذلك تحمي القبيلة التي باسمها الضمة مزروعاته على مدار السنه من النهب والسرقة ، وتحمي أيضا آباره من الهدم وأرضه وسوانية* من التدمير.
ومن شروط هذا القانون : عدم تدخل القبيلة الحامية في أي قتال يخص صاحب الآبار أو يخص قبيلته ، إلا إذا تعدت القبيلة التي تعاديه على أباره ومزارعه التي تحت حمايتها .
هذا هو قانون الارض والملكية والعمل ، أما قانون الجريمة فيتلخص في الآتي : إذا قتل شخص ما نفرا أو أكثر بجنبيته أو سيفه أو عوده (حربه ذات ساق طويل) وطلب أهل المقتول رأسه للثأر والانتقام – خاصة إذا كان من قبيلة ضعيفة – فما عليه إلا أن يلم رحاله فيحمل أمتعته ويسوق أبله وغنمه وأولاده إلى احد الرجال الأقوياء من بطون القبائل الكبيرة ذات الهيبه ، فيطلب الاستجارة : أي الحماية ، وفي هذه الحالة لا بد أن يقبله مهما كان فعله ، لأن رده في مثل هذه الحالة يعتبر عارا لا يليق بالشهامة والنخوة العربية ، ولذلك لا بد أن يحمية على الأقل لمدة شهر واحد ، يؤمنه فيه على نفسه وخيراته وأولاده ، وبعدها ينزح من عنده ليبحث عن أحد الأقوياء الآخرين فيصير عنده مستجيرا مرة أخرى ، ويظل هكذا حاملا رحاله في كل شهر ليقيم عند أحد الأقوياء ، حتى يقضي الله بشيئ في أمره.
ومن الفروع التي تدور في فلك القانون:
أذا نزل غريب إلى إحدى المناطق التي تسكنها إحدى القبائل القوية فحل فيها بأولاده وغنمه وإبله ، صار مؤمنا من قبل القبيلة طوال المدة التي يقيمها في هذه المنطقة – حتى ولو أقام فيها طول عمره.
إذا تزوج أحد رجال القبائل القوية امرأه من قبيلة ما ، فأنجبت له ولدا ، وحدث بين قبيلة هذا الرجل وأخوال ولده قتال ، يقف الولد – في هذه الحالة – بجانب أخواله ضد القبيلة التي ينتمي إليها ، لأنه يعتبر أن قبيلته لم تحسب له وزنا عندما قاتلت أخواله ، هذا بالرغم من أنه لايقف بجوار أخواله إذا قاتلتهم قبائل غريبة ، لأنه يعتبر ذلك شيئا طبيعيا بين القبائل.
إذا كان لأحد الرجال من بطون القبائل القوية أخ من أمه وينتمي إلى قبيلة أخرى ، يقف بجواره في كل معركه ، خاصة إذا طلب أخوه منه ذلك .
أما قانون السوق فكان عجبا ، فالسوق مجتمع تجاري أسبوعي ، يعقده الناس لأجل تبادل السلع الزراعية والحرفية ، وحل المنازعات وجباية الرسوم وتبليغ الاعلانات العامة ، ولأجل ذلك كانت تحتويه المشاكل ، فيكثر فيه القتل والنهب ، والتخريب , فوضعت له القبائل قانونا قبليا ، بمقتضاه تعاقب القبيلة التي باسمها السوق أي شخص يقوم بالإجرام بعقوبة القتل والإباده لكل اسرته ، لأن القبيلة التي باسمها السوق لا بد أن تكون من أكبر القبائل وأكثرها شجاعة وعنوة ، وهي تدعو إلى السوق وتقيمه على أرضها وتنظمه وتشرف عليه ، وتؤمن الناس في غدوهم ورواحهم إليه طوال اليوم المنعقد فيه . بل تجعله يوما للسلام لا يحدث فيه قتل أو حرب حتى إنها إيغالا في التحكم في الأمن ، تتعهد بحماية النازح إليه من وقت خروجه من داره حتى عودته إليها ، وعلى من يتعرض له بالسلب أو النهب أو القتل أن يلقى جزاءه بالابادة التامه له ولأولاده وقبيلته ومزروعاته وأبله وغنمه ودياره ، وقد كان في نجران عدة أسواق تتصف بالهدوء والأمان الذي يتيح للناس قضاء حوائجهم طوال يوم كامل.
ومن أهم هذه الاسواق: سوق الخميس بالقابل بحماية آل الهندي ، وسوق الإثنين في بلاد بني سلمان بحماية بني سلمان ، وسوق الأحد بحماية قبيلة الصقور .
يتبع في طرح منفصل [دخـول نجران تحت لواء الحكم السعودي].