المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الامام علي عليه السلام و جوهرة العدالة 2


غـــــدرالزمن
23-12-2002, 10:31 PM
خطابه الى عماله،و عتابه لهم بما بدر منهم
في هذا المجال خطابات كثيرة نشير إلى نبذة منها رعاية للإختصار:

منها:من كتاب له إلى مصقلة بن هبيرة

في (نهج البلاغة) من كتاب له عليه السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني،و هو عامله على أردشير خره (21) :«بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك و أغضبت إمامك،إنك تقسم في‏ء المسلمين الذي حازته رماحهم و خيولهم،و اريقت عليه دماؤهم فيمن اعتامك (22) من أعراب قومك،فو الذي فلق الحبة و برأ النسمة لئن كان ذلك حقا لتجدن بك علي هوانا و لتخفن عندي ميزانا،فلا تستهن بحق ربك،و لا تصلح دنياك بمحق دينك،فتكون من الأخسرين أعمالا،ألا و إن حق من قبلك (23) و قبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفي‏ء سواء،يردون عندي عليه،ويصدرون عنه». (24)

و منها:من كتاب له إلى عثمان بن حنيف و هو عامله على البصرة

قد كان علي عليه السلام يراقب أعمال ولاته مراقبة شديدة حتى إنه لما بلغه أن و اليه على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري قد أجاب دعوة جماعة من أهل البصرة إلى وليمة فيها ألوان الطعام فتناول منها شيئا،و في البصرة فقراء محتاجون منعوا من حضورها،أرسل إليه كتابا يوبخه فيه:«أما بعدـيابن حنيفـفقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة،فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان،و تنقل إليك الجفان،و ما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم (25) مجفو و غنيهم مدعو،فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم،فما اشتبه عليك علمه فالفظه (26) ،و ما أيقنت بطيب وجهه فنل منه،ألا و إن لكل مأموم إماما يقتدي به و يستضي‏ء بنور علمه،ألا و إن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه (27) ،و من طعمه (28) بقرصيه،ألا و إنكم لا تقدرون على ذلك،و لكن أعينوني بورع و اجتهاد،و عفة و سداد،فو الله ما كنزت من دنياكم تبرا (29) ،و لا ادخرت من غنائمها وفرا (30) ،و لا أعددت لبالي ثوبي طمرا[و لا حزت من أرضها شبرا،و لا أخذت منه إلا كقوت أتان دبرة، (31) و لهي‏في عيني أوهى و أهون من عفصة مقرة (32) ]. (33)

و روي في شرح الإحقاق عن (ذخيرة الملوك للهمداني،ص 102) أن عليا عليه السلامـبعد إرسال الكتاب إلى عثمان بن حنيفـعزله عن الحكومة. (34)

و منها:توبيخه عليه السلام أبا رافع لإعارته بنته عليه السلام عقد لؤلؤ من بيت المال

روى ابن الأثير في التاريخ:كان أبو رافع (35) مولى رسول الله صلى الله عليه و آله خازنا لعلي عليه السلام على بيت المال،فدخل علي يوما و قد زينت ابنته،فرأى عليها لؤلؤة كان عرفها لبيت المال،فقال:«من أين لها هذه؟لأقطعن يدها!»فلما رأى أبو رافع جده في ذلك،قال:أنا و الله يا أمير المؤمنين زينتها بها،فقال علي عليه السلام:«لقد تزوجت بفاطمة،و ما لي فراش إلا جلد كبش ننام عليه بالليل،و نعلف عليه ناضحنا بالنهار،و ما لي خادم غيرها». (36)

و روى الطبري في التاريخ بسنده عن عباس بن الفضل،عن أبيه،عن جده ابن أبي رافع،نحوه. (37)

علي عليه السلام مع أخيه عقيل و قصة الحديدة المحماة
عند ما طلب منه أخوه عقيل أن يزيد في عطائه من بيت المال،أحمى له حديدةو قربها منه،و من أجل أن يفهم أخاه أنه يرفض الظلم و الجور قال:«و الله لأن أبيت على حسك (38) السعدان (39) مسهدا (40) و اجر في الأغلال مصفدا (41) أحب إلي من أن ألقى الله و رسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد،و غاصبا لشي‏ء من الحطام،و كيف أظلم أحدا لنفس يسرع إلى البلى قفولها (42) ،و يطول في الثرى (43) حلولها؟»

ثم قال عليه السلام:«و الله لقد رأيت عقيلا و قد أملق (44) حتى استماحني (45) من بركم صاعا،و رأيت صبيانه شعث (46) الشعور،غبر (47) الألوان من فقرهم،كأنما سودت وجوههم بالعظلم (48) ،و عاودني موكدا،و كرر علي القول مرددا،فأصغيت إليه سمعي،فظن أني أبيعه ديني،و أتبع قياده (49) مفارقا طريقتي،فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها،فضج ضجيج ذي دنف (50) من ألمها،و كاد أن يحترق من ميسمها. (51)

فقلت له:ثكلتك الثواكل (52) يا عقيل،أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه،و تجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه؟أتئن من الأذى و لا أئن من لظى (53) ».

و ساق كلامه عليه السلام إلى أن قال:«و الله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة (54) ما فعلته،و إن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها،ما لعلي و لنعيم يفنى،و لذة لا تبقى،نعوذ بالله من سبات (55) العقل و قبح الزلل (56) و به نستعين». (57)

نبذة من أخبار عقيل و قصته مع معاوية
قال ابن أبي الحديد:و اختلف الناس في عقيل،هل التحق بمعاوية و أمير المؤمنين حي؟.فقال قوم:نعم،و رووا أن معاوية قال يوما و عقيل عنده:هذا أبو يزيد،و لو لا علمه أني خير له من أخيه،لما أقام عندنا و تركه.

فقال عقيل:أخي خير لي في ديني،و أنت خير لي في دنياي،و قد آثرت دنياي،أسأل الله خاتمة خير.

و قال قوم:إنه لم يعد إلى معاوية إلا بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام،و استدلوا على ذلك بالكتاب الذي كتبه إليه في آخر خلافته،و الجواب الذي أجابه عليه السلام،قال ابن أبي الحديد:و هذا القول هو الأظهر عندي. (58)

سؤال معاوية لعقيل عن قصة الحديدة المحماة
سأل معاوية عقيلا عن قصه الحديدة المحماة المذكورة.فقال:نعم أقويت (59) و أصابتني مخمصة شديدة،فسألته فلم تند صفاته،فجمعت صبياني و جئته بهم و البؤس و الضر ظاهران عليهم،فقال:«ائتني عشية لأدفع إليك شيئا»فجئته يقودني أحد ولدي،فأمره بالتنحي،ثم قال:«ألا فدونك»فأهويت حريصا قد غلبني الجشع أظنها صرة،فوضعت يدي على حديدة تلتهب نارا،فلما قبضتها نبذتها و خرت كما يخور الثور تحت يد جازره،فقال لي:«ثكلتك امك!هذا من حديدة أوقدت لها نار الدنيا،فكيف بك و بي غدا إن سلكنا في سلاسل جهنم!»ثم قرأ: (إذ الأغلال في أعناقهم و السلاسل يسحبون) (60) ثم قال:«ليس لك عندي فوق حقك الذي فرضه الله لك إلا ما ترى،فانصرف إلى أهلك»فجعل معاوية يتعجب،و يقول:هيهات هيهات!عقمت النساء أن يلدن مثله! (61)

سيرة علي عليه السلام مع قاتله و وصيته له بالعدل و الإنصاف
في (نهج البلاغة) :من كتاب له عليه السلام في وصيته للحسن و الحسين عليه السلام لما ضربه ابن ملجم (لعنة الله) ،قال:«يا بني عبد المطلب،لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا،تقولون قتل أمير المؤمنين،ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي.

انظروا إذا أنا مت من ضربتي هذه فاضربوه ضربة بضربة،و لا يمثل بالرجل،فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله يقول:إياكم و المثلة و لو بالكلب العقور». (62)

و روى ابن الصباع المالكي في (الفصول المهمة) :لما جي‏ء بابن ملجم في المسجدنظر إليه علي عليه السلام ثم قال:«النفس بالنفس،إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني،و إن سلمت رأيت رأيي فيه». (63)

خاتمة
إذا أردنا التعرض نماذج لعدالته عليه السلام لاحتجنا إلى مجلدات طوال،و إنما نقول:إن العدالة كانت نصب عينه،و ملأت وجوده و كيانه،فقد كان الامام عليه السلام يرى أنه«في العدل صلاح البرية». (64)

و قال عليه السلام:«في العدل الاقتداء بسنة الله و ثبات الدول». (65)

و قال عليه السلام:«في العدل الاحسان». (66)

و قال عليه السلام:«العدل حياة و الجور هلاك». (67)

لقد كان عليه السلام يسد جوعته بكسرة خبز يابسة و يأتدم الملح ليكون مستوى معيشته كأضعف الناس،فإنه يقول:«إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفه الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره». (68)

إن هذا السلوك لا يمكن أن يصدر من غير علي عليه السلام،فهو نتاج تربية الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله،قد أشار عليه السلام إلى ذلك بأن الرسول قد احتضنه طفلا و رباه كما في خطبته عليه السلام القاصعة. (69) نعم إن عدالة علي عليه السلام التي نشأت من العدل الالهي و سعيه لتطبيقها،قد أصبحت نموذجا واضحا لكل القادة و طلاب العدالة على مر القرون،و مصداقا مشرفا للانسان المسلم المتكامل الذي يستطيع أن يكون قدوة في جميع المجالات و خاصة في مجال الحكومة،و نرى ذلك القدوة العظيمة يعرف نفسه بقوله:«إنما مثلي بينكم مثل السراج في الظلمة يستضي‏ء به من ولجها،فاسمعواـأيها الناسـو عوا،و أحضروا آذان قلوبكم تفهموا». (70)

و أخيرا اشير إلى كلمة لجورج جرادق يقول فيها:«ما ضرك أيتها الأيام لو جمعت قواك و طاقاتك فأنجبت في كل زمان إنسانا كعلي عليه السلام في عقله و روحه و نفسه،في كلامه و بيانه،و في قوته و شجاعته». (71)