المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الامام علي عليه السلام و جوهرة العدالة


غـــــدرالزمن
23-12-2002, 10:28 PM
علي عليه السلام و جوهرة العدالة
لقد لازمت شخصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام السامية جوهرة العدالة الثمينة،و اقترن اسمه المقدس بالعدالة،فقد كان عادلا يأنس بالعدالة و يهتم بها.

إن كل مجتمع أو جماعة أو فرد مناد بالعدالة،و يأمل في تكوين مجتمع يقوم على أساس القسط و العدل،يضع عدل علي عليه السلام نصب عينه،و يتخذ اسلوب علي عليه السلام في تطبيق العدالة و نظامه العادل قدوة له في برنامجه الذي يسعى إلى تطبيقه.

حقا لم يعرف تاريخ الانسانية شخصا كعلي عليه السلام خلد اسمه إلى الأبد و ارتسمت صورة عدالته في أذهان البشر،فقد كان عاشقا للعدالة مولعا بها إلى غايتها القصوى.

علي عليه السلام مصداق بارز لآية (كونوا قوامين بالقسط)
نعم،لقد كانت هذه العدالة ضالة علي عليه السلام،و كان كالظامي‏ء الذي يبحث عن عين ماء تروي ظمأه،كان علي عليه السلام يسعى إلى معين العدالة العذب.

كان علي عليه السلام مظهر العدالة و جوهرتها حقا،فقد بعد عن كل ظلم و جور،و في فكر علي عليه السلام السامي لم يكن ممكنا أن تقاس العدالة بأي أمر آخر،و كان لا يعبأ حتى بأعز إنسان عليه من أجل الحق،و ذلك أن ربه قد أمره بذلك فكيف يعصي مولاه؟ (إن الله يأمر بالعدل و الإحسان) . (1)

لم يكن علي عليه السلام يرضى بالكف عن تطبيق العدالة و التراجع عنها مهما كلف الثمن،و لم يرض أن يتخطى العدالة خطوة حتى من أجل تثبيت أركان حكومته‏الفتية،و أبى أن يساوم أو يتبع المصالح السياسية مهما عظم الثمن،كما أنه لم يرض أن يضحي بالعدالة و يقع تحت تأثير الرحمة و التحرق شفقة،فيعرض بذلك هذا الركن المقدس للتزلزل و الانهيار،فقد كان مصداقا و مظهرا بارزا للآية الشريفة:«يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط». (2) القسط هو العدل،و القيام بالقسط العمل به و التحفظ له،فالمراد بالقوامين بالقسط القائمون به أتم قيام و أكمله،من غير انعطاف و عدول عنه إلى خلافه لعامل من هوى و عاطفة،أو خوف،أو طمع،أو غير ذلك،و هل توجد هذه الصفة بتمامها و كمالها في غير علي بن أبي طالب عليه السلام؟ !إنه مصداق بارز و كامل لهذه الصفة بعد رسول الله صلى الله عليه و آله،كما سيظهر ذلك من المباحث الآتية إن شاء الله تعالى.

ما قاله النبي صلى الله عليه و آله في عدله
أخرج السيوطي و الحافظ الكنجي،بإسنادهما عن أبي هريرة،قال:جئت إلى النبي صلى الله عليه و آله و بين يديه تمر،فسلمت عليه،فرد علي،و ناولني من التمر مل‏ء كفه،فعددته ثلاثا و سبعين تمرة،ثم مضيت من عنده إلى علي بن أبي طالب عليه السلام و بين يديه تمر،فسلمت عليه،فرد علي،و ضحك إلي،و ناولني من التمر مل‏ء كفه،فعددته فإذا هو ثلاث و سبعون تمرة،فكثر تعجبي من ذلك،فرجعت إلى النبي صلى الله عليه و آله.فقلت:يا رسول الله،جئتك و بين يديك تمر،فناولتني مل‏ء كفك فعددته ثلاثا و سبعين تمرة،ثم مضيت الى علي بن أبي طالب عليه السلام و بين يديه تمر،فناولني مل‏ء كفه،فعددته ثلاثا و سبعين تمرة،فعجبت من ذلك،فتبسم النبي صلى الله عليه و آله و قال:«يا أبا هريرة،أما علمت أن يدي و يد علي بن أبي طالب في العدل سواء». (3)

و في (المناقب) لابن المغازلي و (فرائد السمطين) للجويني،بإسنادهما إلى‏حبشي بن جنادة،قال :كنت جالسا عند أبي بكر،فأتاه رجل،فقال:يا خليفة رسول الله،إن رسول الله صلى الله عليه و آله و عدني أن يحثو لي ثلاث حثيات من تمر؟قال أبو بكر:ادعوا لي عليا.

فجاء علي عليه السلام فقال أبو بكر:يا أبا الحسن،إن هذا يزعم أن رسول الله صلى الله عليه و آله وعده أن يحثو له ثلاث حثيات من تمر،فاحثها له.فحثا له ثلاث حثيات.ثم قال :«عدوها»فعدوها فوجدوا في كل حثوة ستين تمرة لا تزيد واحدة على الاخرى.

فقال أبو بكر:صدق الله و رسوله،سمعت رسول الله صلى الله عليه و آله ليلة الهجرة و نحن خارجون من مكة إلى المدينة يقول:«يا أبا بكر كفي و كف علي في العدل سواء». (4)

و أخرجه بهذا السند و اللفظ الخطيب في تاريخ بغداد،و الخوارزمي في المناقب،و العلامة القندوزي في ينابيع المودة عن صاحب الفردوس. (5)

المجتمع لا يطيق عدالته عليه السلام
لقد كان علي عليه السلام يعلم أن ذلك المجتمع لا يتحمل تطبيق العدالة التي يريد الإمام تطبيقها،و لما كان عليه السلام لا يتبع إلا الحق و إقامة العدل فإنه رفض قبول الخلافة بالرغم من ضغط الناس عليه و تسابقهم بالبيعة له،لأنه كان يعلم أن الإنحرافات،و التفاوت الطبقي،و عدم المساواة الذي عم المجتمع،لا يمكن أن يدعه يطبق العدالة دون إثارة العراقيل و المشاكل في وجهه و وضع الصعوبات في طريقه،و لذلك قال عليه السلام:«دعوني و التمسوا غيري،فإنا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان لا تقوم له القلوب و لا تثبت عليه العقول،و إن الآفاق قد أغامت و المحجة قد تنكرت،و اعلموا أني إن أجبتكم ركبت‏بكم ما أعلم،و لم أصغ إلى قول القائل و عتب العاتب،و إن تركتموني فأنا كأحدكم،و لعلي أسمعكم و أطوعكم لمن وليتموه أمركم،و أنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا». (6)

و عند ما اضطر علي عليه السلام أن يقبل الخلافة،و سار على كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه و آله و اجتهاده و رأيه الذي كان يعني إقامة العدل في المجتمع الاسلامي بالرغم من غضب أصحاب الثروات غير المشروعة و المتساهلين في أمر الدين و رفضهم لاسلوب علي عليه السلام و طريقته في إقامة العدل،و هي طريقة رسول الله صلى الله عليه و آله،و كان عليه السلام قد أشار إلى أهمية العدالة في تقسيم المال في أول خطبة خطبها حين اجتمع إليه المهاجرون و الأنصار بعد مقتل عثمان،حيث قال عليه السلام:«إني قد كنت كارها لأمركم،فأبيتم إلا أن أكون عليكم،ألا و إنه ليس لي أمر دونكم،إلا أن مفاتيح مالكم معي،ألا و إنه ليس لي أن آخذ منه درهما دونكم،رضيتم؟قالوا:نعم،قال:اللهم اشهد عليهم،ثم بايعهم على ذلك» (7) و لذلك ثارت نائرة الحقد في صدورهم فأشعلوا تلك الحروب ضد علي عليه السلام.

عدالة علي عليه السلام شهد بها العدو و الصديق
لقد كان علي عليه السلام مثالا للعدل و المساواة و عاشقا للحق و الإنصاف،و كان نموذجا متكاملا لمحبة الناس و الرحمة و الرأفة و الإحسان،و كانت عدالته عليه السلام ذكرا يلهج به لسان الخاص و العام و العدو و الصديق حتى كانت كثرة عدله سببا لقتله عليه السلام،و نشير هنا إلى ما قاله البعض في عدله.

1ـيقول شبلي شميلـو هو من الماديينـفي علي عليه السلام:إن علي بن أبي طالب عليه السلام إمام بني الانسان و مقتداهم،و لم ير الشرق و الغرب نموذجا يطابقه أبدا لا في‏الغابر و لا في الحاضر. (8)

2ـيقول الكاتب المسيحي جبران خليل جبران:قتل علي في محراب عبادته لشدة عدله. (9)

3ـقال ابن الاثير في (اسد الغابة) :إن زهده و عدله لا يمكن استقصاؤهما. (10)

4ـو قال ابن عبد البر في (الاستيعاب) :كان علي عليه السلام إذا ورد عليه مال لم يبق منه شيئا إلا قسمه،و لا يترك في بيت المال منه إلا ما يعجز عن قسمته في يومه ذلك،و يقول :يا دنيا غري غيري،و لم يكن يستأثر من الفي‏ء بشي‏ء،و لا يخص به حميما و لا قريبا،و لا يخص بالولايات إلا أهل الديانات و الأمانات،و إذا بلغه عن أحدهم خيانة كتب إليه: (قد جاءتكم موعظة من ربكم فأوفوا الكيل و الميزان بالقسط و لا تبخسوا الناس أشياءهم و لا تعثوا في الأرض مفسدين،بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين و ما أنا عليكم بحفيظ) (11) إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى نبعث إليك من يتسلمه منك»ثم يرفع طرفه إلى السماء فيقول:«اللهم إنك تعلم أني لم آمرهم بظلم خلقك و لا بترك حقك». (12)

5ـروى ابن أبي الحديد،عن علي بن محمد بن أبي يوسف المدائني،عن فضيل بن الجعد،قال:آكد الأسباب في تقاعد العرب عن أمير المؤمنين عليه السلام،أمر المال،فإنه لم يكن يفضل شريفا على مشروف و لا عربيا على عجمي،و لا يصانع الرؤساء و امراء القبائل كما يصنع الملوك،و لا يستميل أحدا إلى نفسه،و كان معاوية بخلاف‏ذلك فترك الناس عليا و التحقوا بمعاوية . (13)

6ـقال سيد قطب:لقد جاء علي عليه السلام ليدخل نظرية الإسلام في الحكم في قلوب القادة و الناس من جديد و ليطبقها عمليا...جاء ليأكل خبز الشعير الذي طحنته زوجته بيديها،و يختم على جرابه و يقول:«لا احب أن آكل ما لا أعلم»...و ربما باع سيفه ليشتري بثمنه غذاء و لباسا،و أبى أن يسكن القصور الزاهية الفخمة. (14)

أقول:حقيق أن يقال:إن عليا عليه السلام ليس إمام زمانه فقط،بل هو مقتدى الأجيال و القرون،و هو التلميذ الأول لرسول الله صلى الله عليه و آله و المعلم الثاني للامم طول التأريخ .

و لو كان علي عليه السلام يمشي وراء السياسة لعرفه التأريخ رجلا سياسيا فحسب،و ما كانت الملوك و العظماء،يطأطئون هاماتهم أمام عدالته و عظمته،و ينظرون إليه نظرة التقدير و التقديس،كما أنشأت سودة بنت عمارة الهمدانية عند معاوية أعدى عدوه:

صلى الإله على روح تضمنها
قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به بدلا
فصار بالحق و الإيمان مقرونا (15)

صور من عدله عليه السلام على مدى حكومته
و من أجل نتعرف أكثر على عدل الامام علي عليه السلام و لترسم هذه الحقيقة بأجلى صورها نشير إلى موارد توضح صورة تلك العدالة:

منها:صادر كل الأموال الموهوبة بغير حق في عهد عثمان

عندما تسلم علي عليه السلام زمام حكومة المسلمين بعد عثمان صادر كل الأموال‏الموهوبة بغير حق إلى طبقة الأشراف،و قد بين سياسته للناس عبر خطبته التي يقول فيها (فيما رده على المسلمين من قطائع) :«و الله و لو وجدته قد تزوج به النساء و ملك به الاماء لرددته،فإن في العدل سعة،و من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق». (16)

روى ابن أبي الحديد المعتزلي في ذيل هذه الخطبة،عن ابن عباس:أن عليا عليه السلام خطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة،فقال:«ألا إن كل قطيعة (17) أقطعها عثمان و كل مال أعطاه من مال الله،فهو مردود في بيت المال،فإن الحق القديم لا يبطله شي‏ء،و لو وجدته قد تزوج به النساء،و فرق في البلدان لرددته إلى حاله،فإن في العدل سعة،و من ضاق عنه الحق فالجور عليه أضيق (18) »إلى أن قال:قال الكلبي:ثم أمر عليه السلام بكل سلاح وجد لعثمان في داره،مما تقوى به على المسلمين فقبض،و أمر بقبض نجائب كانت في داره من إبل الصدقة فقبضت،و أمر بقبض سيفه و درعه،و أمر ألا يعرض لسلاح وجد له لم يقاتل به المسلمين،و بالكف عن جميع أمواله التي وجدت في داره و في غير داره،و أمر أن ترتجع الأموال التي أجاز بها عثمان حيث اصيبت أو اصيب أصحابها.

فبلغ ذلك عمرو بن العاص،و كان بأيلة من أرض الشام،أتاها حيث وثب الناس على عثمان فنزلها،فكتب إلى معاوية:ما كنت صانعا فاصنع،إذ قشرك ابن‏أبي طالب من كل مال تملكه كما يقشر عن العصا لحاها. (19)

و منها:إطفاؤه السراج لأن زيته من بيت المال

قال الكشفي الحنفي في المناقب المرتضوية:كان أمير المؤمنين عليه السلام قد دخل ليلة في بيت المال يكتب قسمة الأموال،فورد عليه طلحة و الزبير،فأطفأ عليه السلام السراج الذي بين يديه،و أمر بإحضار سراج آخر من بيته،فسألاه عن ذلك؟

فقال عليه السلام:«كان زيته من بيت المال،لا ينبغي أن نصاحبكم في ضوئه».