الشرق
09-11-2002, 10:01 PM
مــــديـــنـــة الـــعـــمــــيــــان
مدينة نائية يسكنها شعب صغير في أمريكا الجنوبية من آلاف السنين ، المدينة تقع في مكان ما بين الجبال معزولة عما حولها إلا من ممر وعر يصعب اجتيازه ، فجأة بدأ ينتشر فيها نوع من الرمد الغريب ، أرسلوا بجماعة تحضر لهم طبيباً أو دواءً ولكن هذه الجماعة لم تعد إذ حدث انهيار جليدي مروع أحكم العزلة حول المدينة التعسة فاختفت تماماً من على خريطة البشر ، انتشرت بينهم الإصابات بذلك المرض اللعين الذي يؤدي إلى العمى ، لا أمل من العلاج بعد أن انقطع الأمل في الاتصال بالعالم الخارجي . وبمرور الأعوام تحول الشعب كله إلى عميان ، وبعد مرور مئات السنين اختفى من قواميسهم وكلماتهم ما يشير للرؤية والإبصار ، ولد الأطفال بغير أعين ،جفون فقط تغطي ما كانت أعيناً من قبل ، اليوم مقسم إلى جزأين جزء دافئ ينامون فيه وجزء بارد يعملون فيه ، هناك ملائكة تحلق فوقهم تصدر زقزقة ويسمعونها بوضوح وهي ترفرف بأجنحتها ، ازدادت حاسة الشم واللمس لديهم قوة ، كانوا قادرين على تمييز شخص من سماع نبضات قلبه من على مسافة كبيرة ، لم يعودوا بحاجة إلى الإبصار فضلاً عن أنهم لا يتصورون وجود هذه الحاسة .
بطل الرواية كان يعمل مرشداً لمتسلقي الجبال ، ذات يوم وهو يقود مجموعة من البشر وسط دروب الجبال وقممها حدث انهيار جليدي ترتب عليه سقوطه من على ارتفاع آلاف الأقدام ، الصدفة وحدها هي التي حولته لصخرة جليدية تتخذ مسارات متضاربة بين دروب الجبال الجليدية وتقذب به من ممر إلى ممر ومن قمة إلى سفح إلى أن استقر أخيراً سالماً على الأرض ، أرض العميان .
عندما اكتشف أنهم جميعاً عميان ، شعر في البداية بالنشوة ، لأنه المبصر الوحيد في مدينة العميان ، أخذ يحدثهم عن الألوان ، عن الليل والنهار ، عن النجوم البعيدة التي تتلألأ على صفحة السماء ، عن الشمس ، عن القمر ، عن العالم من حولهم ، القارات والحضارات والمدن والبحار والأنهار ، عن الورود والزهور الجميلة ، ولكنهم لم يفهموا كلمة واحدة مما يقول .. ولكن من أين أتى هذا الرجل ؟ قال علماؤهم : هو مخلوق ناقص التكوين نتج عن عوامل جوية مثل الرطوبة والحرارة ، ولكن عقله ليس ناضجاً أو ناقص التكوين بدليل الكلمات الغريبة التي يهذي بها . لن يصبح ملكاً إذن في مدينة العميان ، بل لن يتمتع بحقوق المواطن العادي ، لأنه مخلوق غير طبيعي مشوه ، ناقص التكوين ، أكد ذلك المتاعب الكثيرة التي كان يتسبب فيها لعدم قدرته على الرؤية في الظلام .. جاءت عليه لحظات اكتشف فيها أن قدرته على الإبصار تضر به ضرراً بليغاً ففقد أعصابه وبدأ يفكر فعلا ً بعقل مختل ، ــ علي أن أدخل معهم في معركة ، سأهزمهم بالطبع لأني أرى وهم لا يرون ، هذه هي الطريقة الوحيدة التي أثبت لهم بها أن الإبصار له مزاياه وأنني متفوق عليهم .. وحدثت بينه وبينهم معركة ولكنهم بحواسهم القوية تمكنوا من السيطرة عليه بعد أن قتل شخصاً وأصاب عدة أشخاص إصابات بالغة ، لم ينتقموا منه ، لم يحاكموه ، لأنه مختل العقل ، هناك جزءان بارزان يتحركان تحت الجفنين عنده يسميهما عينين ، هذان الجزءان البارزان يضغطان على المخ ويسببان له الخبل وهذا الهياج ، والطريقة الوحيدة لعلاجه هي إزالة هذين الجزءين البارزين بشرط أن يوافق هو على ذلك فقد كانوا متحضرين إلى الدرجة التي لا يرغمون فيها أحداً على شيء ضد إرادته ، كان قد أحب فتاة منهم ، كانت جميلة ، وأحبته الفتاة ، فتقدم للزواج منها ، وافق المسؤولون على ذلك بشرط إجراء العملية ، ووافق هو ، ما فائدة الإبصار إذا كان يسبب لي المتاعب ولا يحقق لي أي فائدة خاصة وأن الأقدار حتمت أن أبقى هنا إلى أن أموت ، لا توجد على الأرض طريقة للخروج من هنا ، لماذا لا أتمتع بالحب مع الفتاة التي أحبها ما بقي لي من أيام وفي اليوم السابق لإجراء العملية ذهب إلى حبيته وقال لها : هل لابد من إجراء هذه العملية ؟ .. إنني أحب أنا أراك ، أن أرى تقاطيع وجهك الجميل ، كل هذا لن يحدث إذا تخليت عن عيني .. إنهما تلك العينان اللتان جعلتاني أحبك ، إنهما تلك العينان اللتان أرى بهما الكون من حولي . فردت عليه في حزن : آه .. لو تتخلى عن قول تلك الألفاظ .. تركها وأخذ يسير في شوارع المدينة إلى خارجها ، أخذ يحدق في قمم الجبال العالية ، الحظ الطيب جاء بي إلى هنا ، والحظ الطيب أيضاً قادر على الابتعاد بي عن هنا ، إذا استطعت تسلق هذا الجبال ، ووصلت إلى هذه القمة سيكون من السهل علي بعد ذلك أن أشق طريقي إلى قمة أخرى ، علي أن أصمد ، وأن أتسلق بحذر وهدوء إلى أن أصل لممر بين الجبال يقودني لعالم المبصرين . جاء بأدوات التسلق ، وبدأ يتسلق في حذر وثقة ، في المساء كان الإنهاك والتعب الشديد قد استوليا عليه ، فنام في مكانه تحت النجوم الباردة وهو يبتسم في ارتياح ، بالتأكيد هو مازال مستغرقاً في النوم الآن في نفس المكان.
مدينة نائية يسكنها شعب صغير في أمريكا الجنوبية من آلاف السنين ، المدينة تقع في مكان ما بين الجبال معزولة عما حولها إلا من ممر وعر يصعب اجتيازه ، فجأة بدأ ينتشر فيها نوع من الرمد الغريب ، أرسلوا بجماعة تحضر لهم طبيباً أو دواءً ولكن هذه الجماعة لم تعد إذ حدث انهيار جليدي مروع أحكم العزلة حول المدينة التعسة فاختفت تماماً من على خريطة البشر ، انتشرت بينهم الإصابات بذلك المرض اللعين الذي يؤدي إلى العمى ، لا أمل من العلاج بعد أن انقطع الأمل في الاتصال بالعالم الخارجي . وبمرور الأعوام تحول الشعب كله إلى عميان ، وبعد مرور مئات السنين اختفى من قواميسهم وكلماتهم ما يشير للرؤية والإبصار ، ولد الأطفال بغير أعين ،جفون فقط تغطي ما كانت أعيناً من قبل ، اليوم مقسم إلى جزأين جزء دافئ ينامون فيه وجزء بارد يعملون فيه ، هناك ملائكة تحلق فوقهم تصدر زقزقة ويسمعونها بوضوح وهي ترفرف بأجنحتها ، ازدادت حاسة الشم واللمس لديهم قوة ، كانوا قادرين على تمييز شخص من سماع نبضات قلبه من على مسافة كبيرة ، لم يعودوا بحاجة إلى الإبصار فضلاً عن أنهم لا يتصورون وجود هذه الحاسة .
بطل الرواية كان يعمل مرشداً لمتسلقي الجبال ، ذات يوم وهو يقود مجموعة من البشر وسط دروب الجبال وقممها حدث انهيار جليدي ترتب عليه سقوطه من على ارتفاع آلاف الأقدام ، الصدفة وحدها هي التي حولته لصخرة جليدية تتخذ مسارات متضاربة بين دروب الجبال الجليدية وتقذب به من ممر إلى ممر ومن قمة إلى سفح إلى أن استقر أخيراً سالماً على الأرض ، أرض العميان .
عندما اكتشف أنهم جميعاً عميان ، شعر في البداية بالنشوة ، لأنه المبصر الوحيد في مدينة العميان ، أخذ يحدثهم عن الألوان ، عن الليل والنهار ، عن النجوم البعيدة التي تتلألأ على صفحة السماء ، عن الشمس ، عن القمر ، عن العالم من حولهم ، القارات والحضارات والمدن والبحار والأنهار ، عن الورود والزهور الجميلة ، ولكنهم لم يفهموا كلمة واحدة مما يقول .. ولكن من أين أتى هذا الرجل ؟ قال علماؤهم : هو مخلوق ناقص التكوين نتج عن عوامل جوية مثل الرطوبة والحرارة ، ولكن عقله ليس ناضجاً أو ناقص التكوين بدليل الكلمات الغريبة التي يهذي بها . لن يصبح ملكاً إذن في مدينة العميان ، بل لن يتمتع بحقوق المواطن العادي ، لأنه مخلوق غير طبيعي مشوه ، ناقص التكوين ، أكد ذلك المتاعب الكثيرة التي كان يتسبب فيها لعدم قدرته على الرؤية في الظلام .. جاءت عليه لحظات اكتشف فيها أن قدرته على الإبصار تضر به ضرراً بليغاً ففقد أعصابه وبدأ يفكر فعلا ً بعقل مختل ، ــ علي أن أدخل معهم في معركة ، سأهزمهم بالطبع لأني أرى وهم لا يرون ، هذه هي الطريقة الوحيدة التي أثبت لهم بها أن الإبصار له مزاياه وأنني متفوق عليهم .. وحدثت بينه وبينهم معركة ولكنهم بحواسهم القوية تمكنوا من السيطرة عليه بعد أن قتل شخصاً وأصاب عدة أشخاص إصابات بالغة ، لم ينتقموا منه ، لم يحاكموه ، لأنه مختل العقل ، هناك جزءان بارزان يتحركان تحت الجفنين عنده يسميهما عينين ، هذان الجزءان البارزان يضغطان على المخ ويسببان له الخبل وهذا الهياج ، والطريقة الوحيدة لعلاجه هي إزالة هذين الجزءين البارزين بشرط أن يوافق هو على ذلك فقد كانوا متحضرين إلى الدرجة التي لا يرغمون فيها أحداً على شيء ضد إرادته ، كان قد أحب فتاة منهم ، كانت جميلة ، وأحبته الفتاة ، فتقدم للزواج منها ، وافق المسؤولون على ذلك بشرط إجراء العملية ، ووافق هو ، ما فائدة الإبصار إذا كان يسبب لي المتاعب ولا يحقق لي أي فائدة خاصة وأن الأقدار حتمت أن أبقى هنا إلى أن أموت ، لا توجد على الأرض طريقة للخروج من هنا ، لماذا لا أتمتع بالحب مع الفتاة التي أحبها ما بقي لي من أيام وفي اليوم السابق لإجراء العملية ذهب إلى حبيته وقال لها : هل لابد من إجراء هذه العملية ؟ .. إنني أحب أنا أراك ، أن أرى تقاطيع وجهك الجميل ، كل هذا لن يحدث إذا تخليت عن عيني .. إنهما تلك العينان اللتان جعلتاني أحبك ، إنهما تلك العينان اللتان أرى بهما الكون من حولي . فردت عليه في حزن : آه .. لو تتخلى عن قول تلك الألفاظ .. تركها وأخذ يسير في شوارع المدينة إلى خارجها ، أخذ يحدق في قمم الجبال العالية ، الحظ الطيب جاء بي إلى هنا ، والحظ الطيب أيضاً قادر على الابتعاد بي عن هنا ، إذا استطعت تسلق هذا الجبال ، ووصلت إلى هذه القمة سيكون من السهل علي بعد ذلك أن أشق طريقي إلى قمة أخرى ، علي أن أصمد ، وأن أتسلق بحذر وهدوء إلى أن أصل لممر بين الجبال يقودني لعالم المبصرين . جاء بأدوات التسلق ، وبدأ يتسلق في حذر وثقة ، في المساء كان الإنهاك والتعب الشديد قد استوليا عليه ، فنام في مكانه تحت النجوم الباردة وهو يبتسم في ارتياح ، بالتأكيد هو مازال مستغرقاً في النوم الآن في نفس المكان.