محب البارقليط
14-10-2002, 11:52 PM
14 - الداعي عبدالمطلب بن محمد بن حاتم بن الوليد الأنف
بعد أنتقال الداعي علي ابن إبراهيم بن حسين الأنف قام بالأمر من بعده أبن عمه الداعي الأجل عبدالمطلب ابن الداعي محمد ابن حاتم ابن الداعي حسين ابن الداعي علي ابن محمد الوليد أعلى الله قدسه داعيا ً إلى أولياء الله مقيما ً لفرائض الإيمان والإسلام ، معرفا ً بالحلال محرما ً للحرام منفذا ً في أهل الدعوة القضايا والأحكام . آمرا ً بالبر والتقوى والإحسان ، ناهيا ً عن الإثم والعدوان موضحا ً للعلم بالبلاغة والبيان ، سالكا ً سبيل من تقدمه من الدعاة إلىأولياء الرحمن . وقد كان مقامه في حصن ذمرمر ومعه الشيخ الأجل الحسن ابن الداعي علي ابن إبراهيم ، مطيع له غير معارض على ما أوصاه والده المرحوم . وكان مع الداعي أيضا ً أخوه العباس ابن الداعي محمد ابن حاتم الذي كان علامه عصره وأوحد زمانه الذي فاق أهل دهره . يوضح المشكلات بالبيان ، ويقيم عليها أوضح دليل وبرهان . وأهل الدعوة يأتون إليه من الأقطار ، ويقتبسون من علومه الزاهرة الأنوار ، ويغترفون من بحر حكمته التيار . وهو كافٍ لأخيه أمر المتعلمين ، قائما ً بما يحتاج إليه القضاة من أهل الدين . معرض عن الدنيا الدنية ، تارك لها بالقول والعمل النية . فأنتظمت الأحوال في جميع الجوانب ، واستقامت الدعوة في الحاضر والغائب ، وزهرت بأقمار الحدود والكواكب .
وكان لما توفى الداعي علي ابن إبراهيم ( قس ) هم صاحب صنعاء الشريف إبراهيم ابن عبدالله بالحرب ( 1 ) وقال : راح الذي كان ينهش الطعن والضرب وينتجع الوافدين في الحرب . ولم يبق من يسد مسده ويلتقي وفده ويجمع جنده . فعند ذلك جرد الداعي عبدالمطلب حسام عزمه ، وجمع آله الحرب والقتال ، وأستخدم أبطال الرجال . فظهرت الهيبة له في القلوب ، وعرفوا أنه بالجهاد عن الماضي قبله ينوب . والشيخ حسن ابن الداعي علي ابن الداعي إبراهيم صاحب السيف والسنان ، يقوم لمن عانده في حومه الضرب والطعان . فأمر الأمير صنعاء من توسط في تمام الإصلاح فقرت الأمور وحقنت الدماء عن سفكها . فوقف الداعي عبدالمطلب على ذلك وأستقرت أمور الدعوة واصبحت في أرغد عيش .
وعزم السلطان الرسولي نور الدين علي ابن داؤد ( 2 ) على الحج مرة اخرى ، وكان قد حج في مره سابقه وطلب من الداعي على ابن إبراهيم أن يصحبه فأعتذرعن ذلك وأرسل له الداعي عبدالمطلب وكان لايزال مأذونا ً فأصطحبه معه ، ولما تسلم الدعوة الداعي عبدالمطلب كتب له يطلبه بالمسير معه للحج إلى بيت الله الحرام فأعتذر له لكثر إشتغاله لما صار إليه من العهد والحصون وكثرة الأعداء وأكد له في المعذره ، فكتب إليه السلطان الرسولي يلومه ويعنفه لما أعتذر ووضع في رسالته هذه الآية : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ .
وسار السلطان للحج من تعز يوم ثالث عشر من شهر شؤال سنة إحدى وخمسين وسبعمائه للهجرة ( 3 ) في جموع كثيرة من الخيل والرجال والخزائن والأموال . ووصل إلى مكة المشرفة فأعتمر وخرج أيام الحج إلى منى في الذين معه من العسكر، وكان وصول العسكر المصرى في ذلك الوقت أيضا ً وفي مقدمتهم رجل أسمه طاز ( 4 ) من المماليك الأتراك ، فوثب المصريون على السلطان وأمسكوه أسيرا ً وأخذوه قهرا ً وأنتهبوا جميع ماكان معه وساروا به إلى مصر . التي ما إن وصلها حتى أكرمه سلطانها الناصر حسن ابن الناصر محمد ( 5 ) وتلقاه بالإحسان وأعطاه من الكساء ما أعجبه ثم أرسل به إلى جبل الكرك ( 6 ) في قيده ، وكتب إلى والي الكرك بالتضييق عليه وأن يودعه السجن ويدخله إليه . ففعل صاحب الكرك به ما أمره ملكه وضيق عليه تضييقا ً كاد يصيره إلى هلكه . ورأى في السجن من الأهوال ما أفزعه وأجزعه وهو لايظن خروجه من السجن في الإمكان . فقضى الله له بالفكاك من ذلك الضيق والرجوع إلى مُـلكه ، وذلك أنه مات صاحب مصر وقام بعده ملك أخر هو الصالح صلاح الدين ( 7 ) الذي أمر بإطلاق كل من في السجون في دولته وكان من ضمنها الكرك الذي بادر واليها بإخراج السلطان صاحب صنعاء من سجنها فخلص وكان دخوله إلى اليمن في شهر ذي الحجة سنة أثنين وخمسين وسبعمائه للهجرة .
أما الداعي عبدالمطلب فقد أقام على أحسن الأحوال وأفضل الأمور . وأما أخوه العباس ابن محمد فقد كان متبحرا ً في العلوم قائما ً منها ومن حفظها في عصره بما لا أحد به يقوم . وعلا بذلك على أهل عصره في جزيرته فقدمه أخوه الداعي عبدالمطلب على أهل دعوته ، وجعله الخالف له عند إنقضاء مدته . وعرف بذلك الشيخ الحسن ابن الداعي علي ابن إبراهيم . وامره بطاعته ، وأن يقوم بخدمته بحسب إستطاعته . فأجابه عن ذلك إجابة جذل مستبشر وقال : حبذا العباس ابن الداعي محمد من قائم بالدعوة يسر ذلك ويظهر . فعاتبه على حسن إجابته ، وما أظهر من طاعته ولداه : محمد وإبراهيم ، وعنفاه وقالا : إنا نقدمك وأنت فارس عصرك وما زالا به حتى داخل كلاهما الزائف قلبه وغيرا عقله الراجح فبقى لذلك ممتعضا ً وعلى أن يكون له الأمر مجدا ً حرصا ً . أما فضلاء الدعوة فقد عرفوا للعباس ابن الداعي محمد فضله وتحققوا أن لايجد في ذلك المكان أحد محله .
أما الداعي عبدالمطلب فقد أعاد القول فجدد للحسن ابن الداعي علي لما دنت وفاته مرة أخرى ، ونص على أخية الداعي العباس ظاهرا ً وباطنا ً بحضور حدوده الفضلاء ، وعرف الحسن أن العباس أحق بالدعوة وأحرى ، فلم يقع ذلك منه موقع الإعجاب ، ولا تكلم فيه ولا أجاب . ثم كانت وفاه الداعي عبدالمطلب وقت صلاة المغرب في الليلة المصبحة عن يوم الأربعاء أربع عشر من شهر رجب الأصب سنة خمس ٍ وخمسين وسبعمائه ، وكانت أيام دعوته ثمانية سنين وأحد عشر شهرا ً وعشرين يوما ً، وقبره في حصن ذمرمر، ولقبه نجم الدين ( قس ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
15 - الداعي العباس ابن محمد ابن حاتم الأنف
تولى الدعوة بعد أنتقال أخية الداعي عبدالمطلب ابن محمد ابن حاتم ، فكان الداعي الجليل العالم ، صفوالدعاة الأكارم . حيث كان قيامه في الدعوة قيام القوى الأمين ، ورتب علومها للمعلمين والمتعلمين . وأمرهم بدرس الكتب الشرعية ، وأن يواظبوا عليها بالغدو والعشية . وأن لايدرسوا كتب التأويل إلا أن يعرفوا الأحكام بعد شروط معرفة فرائض الإسلام ، وأن يكون ذلك على نمط واحد وبإنتظام ، وقد بث من العلوم مايدل على فضله وعلو قدره ومحله . وكان مشهورا ً بالزهد والورع ، عالما ً لايمارى ، إذا نطق أجاد وأبدع ، وإن سئل أجاب فأسرع ، وإن غاص طالب في علمه نهل وكرع . له العلم في كل فن من الفنون ، والقيام بالمفروض والمسنون .
أقام في ذمرمر في دار الفرحة أياما ً ، ثم أنه رأى من فيه لايعرفون له مقاما ً ، ووجد أولاد الشيخ حسن ابن الداعي علي ابن ابراهيم ، متمادين في الجهل غير عارفين بما له من الفضل ، يُـبدون لمن وصله من أخيار أهل الدعوة الأذى ، ويجاهرون بالجفاء والبذاء . ففارقهم وخرج عنهم وسكن القلعة في وادي ضهر ( 8 ) بدار أبية التي أبتناها وهي دار كانت حسنة وسيعه زينها الداعي العباس وحصصها وأصلحها .
سلم له بنو حاتم دار الباب ، ورفعوا مكانته فهو عندهم رفيع المقام والجناب . وترك أمر الحصون إلى الشيخ حسن ابن الداعي علي ابن إبراهيم . وتفرغ عن شغل الدنيا للعمل الصالح والعلم الجلي . وقصده أهل الدعوة من كل مكان ، ووافاه من يريد الدين من اهل الإيمان . وكان يقوم لهم بالضيافة ، ويتلقاهم بالبشر والقبول كافة . فإذا وصل من لايصلي من أهل دعوته أمر بإخراجه عن الباب مما كان له أبلغ الأثر في أن يصلي كثير من الناس . ولم يتقرب منه أحد إلا بعمل الخير .
أما الشيخ حسن ابن الداعي علي ابن إبراهيم فقد كان يواصله ولاينكر مكانه ولايجهله ، ومتى وصل إلى حصن أفئدة وصل إليه وشاوره ، وعول من المال فيما يستعين به عليه . وأما ابن أخية عبدالله ابن علي ابن الداعي محمد ابن حاتم فقد كان معه في القلعة ساكن في دار كان قد أشتراها تسمى " دار حاتم " وهما لأمر الدعوة مقيمان ، وفي النظر في العلوم مديمان ، يحييان لياليهما بالعبادة وأكثر أيامهما يصومان .
وفي سنة سبع ٍ وخمسين وسبعمائه توفى الشيخ عز الدين معد بن بشر بن حاتم ابن الداعي حسين ابن الداعي علي بن محمد الوليد وكان هو ووالده قد سكنا الأجيبال من معشار علب ( 9 ) ، وكان الداعي محمد ابن حاتم قد أقامهما لأهل الدعوة في اليمن لتعليم الطالبين وهداية للراغبين ، وكان لهما عند ملوك اليمن المكان المكين ، وذلك الذي حدا بهما على فراق أهلهما والمقام في تلك الجهات . وللشيخ معد ابن بشر أشعار حسنة وتفنن في العلوم . وأقيم بعدهما خطاب ابن محمد ابن الداعي علي ابن حسين ابن علي ابن محمد الوليد ( قس ) . ثم أن الداعي الأجل العباس ابن محمد قدم الفقية علي بن أحمد بن ابي القاسم المقريء عليه وأضاف تلك الجهات إليه . وقد كان له فضل مشهور وهو في علم النحو واللغة وغيرهما من العلوم مذكور ، وله فضل وصدق نية .
ثم أن الداعي أفتقد أمر أهل دعوته ورتب كل حد في منزلته . فأصدر أمره لأبن اخية حبر الدعوة العلامة وداعي الدعاة المستحق للفضل والكرامة عبدالله ابن علي ابن الداعي محمد بن حاتم إلى أرض حراز ، وامر الشيخ الأجل علي ابن عبدالله ابن محمد بن أبي المسعود الشيباني إلى بلاد " يام " فأصلح كل منهم الفاسد فيما توجه إليه وأقام المائدة فيمن عول أمره عليه .
حيث قام عبدالله ابن علي بأهل الدعوة في حراز وصلاحهم الكلي وأبان برهان الحق الجلي وأبتنى في العر ( 10 ) دار ، وتسلم حصن حمضة من بني مكين وتسلم حصن المحطة وحصن الشناصب ( 11 ) المحروس . وكتب إلى عمه الداعي العباس بالبشارة فأستبشر وأيقن أن الدين في الجهات الحرازية قطب الرحى والموضع الذي يدفع منه من طغى . وأمن الداعي المأذون عبدالله من أهل الشناصب الموافق والمخالف واطمأن بأمانه الخائف وسكنت لذلك جميع البلاد .
أما الشيخ الأجل علي الشيباني فقد وصل من بلاد يام فأمره الداعي الأجل أن يسكن في حراز ، فوصلها وأبتنى له دارا ً في الشارقة سفح الشناصب وأستقام به أمر المؤالف في حراز وأنقمع المناصب . وطلع الداعي المأذون علي ابن عبدالله إلى عمه الداعي العباس وأقام بين يديه معاضدا ً لأمره فأنتظمت بهما الدعوة وأستقامت وأقاما بالقلعة . أما الشيخ حسن ابن الداعي علي ابن إبراهيم فقد عاتب الداعي الداعي في تصدير ابن أخية الى حراز وجهاته ، والشيخ علي ابن عبدالله الشيباني إلى بلاد يام بغير أخذ رأيه وإشارته فأجابه : إن هذا الأمر لي وهو واجب دونك علي وأدع ُ من شئت فمن أجابك فأنت داعيه ومن لم يستجب لك فلا تستدعيه .
وكان في أيام الداعي الأجل بين ملوك اليمن والسلاطين حروب وقتال شديد ، وكان الشيخ حسن ابن الداعي علي ابن إبراهيم في ذمرمر مقيما ً والداعي الأجل في القلعة ، فكثر الناس القول من أجل إهمال أفئدة ، فوافق الشيخ حسن الداعي وعول عليه أن يكون في حصن افئدة حلاله وهيأ له دار المسعودة في أفئدة ، فكان إليها من القلعة إنتقاله ، وسكن الشيخ حسن معه في دار العنقاء وبقى أولاده في ذمرمر . وكان يختلف إلى ذمرمر وإلى أفئدة ، فلم يطل الداعي الأجل في أفئدة المقام ووافق ذلك ماعرض لجسمه من الآلآم ، فطلب الرجوع إلى القلعة والوقوف فيها بداره التي قد اعتاد فيها طيب قراره فنزل إلى القلعة حيث أعتاد السكون وعاد إلى داره فيها متوقعا ً لنزول أمر الله تعالى متى يكون .
ثم نص على ابن أخية الداعي عبدالله ابن علي ابن الداعي محمد ابن حاتم بحضور الحدود الكرام والعلماء الخلصاء العظام . ثم نقل سيدنا العباس ابن الداعي محمد ابن حاتم إلى دار كرامه الله ورضوانه في يوم السبت الثامن من شهر شوال المكرم سنة تسع وسبعين وسبعمائه ، وكانت ايام دعوته أربع وعشرون سنة وشهران وأربعة وعشرون يوما ً وقبره في المشاهد تحت حصن أفئدة .
-------------------
بعد أنتقال الداعي علي ابن إبراهيم بن حسين الأنف قام بالأمر من بعده أبن عمه الداعي الأجل عبدالمطلب ابن الداعي محمد ابن حاتم ابن الداعي حسين ابن الداعي علي ابن محمد الوليد أعلى الله قدسه داعيا ً إلى أولياء الله مقيما ً لفرائض الإيمان والإسلام ، معرفا ً بالحلال محرما ً للحرام منفذا ً في أهل الدعوة القضايا والأحكام . آمرا ً بالبر والتقوى والإحسان ، ناهيا ً عن الإثم والعدوان موضحا ً للعلم بالبلاغة والبيان ، سالكا ً سبيل من تقدمه من الدعاة إلىأولياء الرحمن . وقد كان مقامه في حصن ذمرمر ومعه الشيخ الأجل الحسن ابن الداعي علي ابن إبراهيم ، مطيع له غير معارض على ما أوصاه والده المرحوم . وكان مع الداعي أيضا ً أخوه العباس ابن الداعي محمد ابن حاتم الذي كان علامه عصره وأوحد زمانه الذي فاق أهل دهره . يوضح المشكلات بالبيان ، ويقيم عليها أوضح دليل وبرهان . وأهل الدعوة يأتون إليه من الأقطار ، ويقتبسون من علومه الزاهرة الأنوار ، ويغترفون من بحر حكمته التيار . وهو كافٍ لأخيه أمر المتعلمين ، قائما ً بما يحتاج إليه القضاة من أهل الدين . معرض عن الدنيا الدنية ، تارك لها بالقول والعمل النية . فأنتظمت الأحوال في جميع الجوانب ، واستقامت الدعوة في الحاضر والغائب ، وزهرت بأقمار الحدود والكواكب .
وكان لما توفى الداعي علي ابن إبراهيم ( قس ) هم صاحب صنعاء الشريف إبراهيم ابن عبدالله بالحرب ( 1 ) وقال : راح الذي كان ينهش الطعن والضرب وينتجع الوافدين في الحرب . ولم يبق من يسد مسده ويلتقي وفده ويجمع جنده . فعند ذلك جرد الداعي عبدالمطلب حسام عزمه ، وجمع آله الحرب والقتال ، وأستخدم أبطال الرجال . فظهرت الهيبة له في القلوب ، وعرفوا أنه بالجهاد عن الماضي قبله ينوب . والشيخ حسن ابن الداعي علي ابن الداعي إبراهيم صاحب السيف والسنان ، يقوم لمن عانده في حومه الضرب والطعان . فأمر الأمير صنعاء من توسط في تمام الإصلاح فقرت الأمور وحقنت الدماء عن سفكها . فوقف الداعي عبدالمطلب على ذلك وأستقرت أمور الدعوة واصبحت في أرغد عيش .
وعزم السلطان الرسولي نور الدين علي ابن داؤد ( 2 ) على الحج مرة اخرى ، وكان قد حج في مره سابقه وطلب من الداعي على ابن إبراهيم أن يصحبه فأعتذرعن ذلك وأرسل له الداعي عبدالمطلب وكان لايزال مأذونا ً فأصطحبه معه ، ولما تسلم الدعوة الداعي عبدالمطلب كتب له يطلبه بالمسير معه للحج إلى بيت الله الحرام فأعتذر له لكثر إشتغاله لما صار إليه من العهد والحصون وكثرة الأعداء وأكد له في المعذره ، فكتب إليه السلطان الرسولي يلومه ويعنفه لما أعتذر ووضع في رسالته هذه الآية : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ .
وسار السلطان للحج من تعز يوم ثالث عشر من شهر شؤال سنة إحدى وخمسين وسبعمائه للهجرة ( 3 ) في جموع كثيرة من الخيل والرجال والخزائن والأموال . ووصل إلى مكة المشرفة فأعتمر وخرج أيام الحج إلى منى في الذين معه من العسكر، وكان وصول العسكر المصرى في ذلك الوقت أيضا ً وفي مقدمتهم رجل أسمه طاز ( 4 ) من المماليك الأتراك ، فوثب المصريون على السلطان وأمسكوه أسيرا ً وأخذوه قهرا ً وأنتهبوا جميع ماكان معه وساروا به إلى مصر . التي ما إن وصلها حتى أكرمه سلطانها الناصر حسن ابن الناصر محمد ( 5 ) وتلقاه بالإحسان وأعطاه من الكساء ما أعجبه ثم أرسل به إلى جبل الكرك ( 6 ) في قيده ، وكتب إلى والي الكرك بالتضييق عليه وأن يودعه السجن ويدخله إليه . ففعل صاحب الكرك به ما أمره ملكه وضيق عليه تضييقا ً كاد يصيره إلى هلكه . ورأى في السجن من الأهوال ما أفزعه وأجزعه وهو لايظن خروجه من السجن في الإمكان . فقضى الله له بالفكاك من ذلك الضيق والرجوع إلى مُـلكه ، وذلك أنه مات صاحب مصر وقام بعده ملك أخر هو الصالح صلاح الدين ( 7 ) الذي أمر بإطلاق كل من في السجون في دولته وكان من ضمنها الكرك الذي بادر واليها بإخراج السلطان صاحب صنعاء من سجنها فخلص وكان دخوله إلى اليمن في شهر ذي الحجة سنة أثنين وخمسين وسبعمائه للهجرة .
أما الداعي عبدالمطلب فقد أقام على أحسن الأحوال وأفضل الأمور . وأما أخوه العباس ابن محمد فقد كان متبحرا ً في العلوم قائما ً منها ومن حفظها في عصره بما لا أحد به يقوم . وعلا بذلك على أهل عصره في جزيرته فقدمه أخوه الداعي عبدالمطلب على أهل دعوته ، وجعله الخالف له عند إنقضاء مدته . وعرف بذلك الشيخ الحسن ابن الداعي علي ابن إبراهيم . وامره بطاعته ، وأن يقوم بخدمته بحسب إستطاعته . فأجابه عن ذلك إجابة جذل مستبشر وقال : حبذا العباس ابن الداعي محمد من قائم بالدعوة يسر ذلك ويظهر . فعاتبه على حسن إجابته ، وما أظهر من طاعته ولداه : محمد وإبراهيم ، وعنفاه وقالا : إنا نقدمك وأنت فارس عصرك وما زالا به حتى داخل كلاهما الزائف قلبه وغيرا عقله الراجح فبقى لذلك ممتعضا ً وعلى أن يكون له الأمر مجدا ً حرصا ً . أما فضلاء الدعوة فقد عرفوا للعباس ابن الداعي محمد فضله وتحققوا أن لايجد في ذلك المكان أحد محله .
أما الداعي عبدالمطلب فقد أعاد القول فجدد للحسن ابن الداعي علي لما دنت وفاته مرة أخرى ، ونص على أخية الداعي العباس ظاهرا ً وباطنا ً بحضور حدوده الفضلاء ، وعرف الحسن أن العباس أحق بالدعوة وأحرى ، فلم يقع ذلك منه موقع الإعجاب ، ولا تكلم فيه ولا أجاب . ثم كانت وفاه الداعي عبدالمطلب وقت صلاة المغرب في الليلة المصبحة عن يوم الأربعاء أربع عشر من شهر رجب الأصب سنة خمس ٍ وخمسين وسبعمائه ، وكانت أيام دعوته ثمانية سنين وأحد عشر شهرا ً وعشرين يوما ً، وقبره في حصن ذمرمر، ولقبه نجم الدين ( قس ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
15 - الداعي العباس ابن محمد ابن حاتم الأنف
تولى الدعوة بعد أنتقال أخية الداعي عبدالمطلب ابن محمد ابن حاتم ، فكان الداعي الجليل العالم ، صفوالدعاة الأكارم . حيث كان قيامه في الدعوة قيام القوى الأمين ، ورتب علومها للمعلمين والمتعلمين . وأمرهم بدرس الكتب الشرعية ، وأن يواظبوا عليها بالغدو والعشية . وأن لايدرسوا كتب التأويل إلا أن يعرفوا الأحكام بعد شروط معرفة فرائض الإسلام ، وأن يكون ذلك على نمط واحد وبإنتظام ، وقد بث من العلوم مايدل على فضله وعلو قدره ومحله . وكان مشهورا ً بالزهد والورع ، عالما ً لايمارى ، إذا نطق أجاد وأبدع ، وإن سئل أجاب فأسرع ، وإن غاص طالب في علمه نهل وكرع . له العلم في كل فن من الفنون ، والقيام بالمفروض والمسنون .
أقام في ذمرمر في دار الفرحة أياما ً ، ثم أنه رأى من فيه لايعرفون له مقاما ً ، ووجد أولاد الشيخ حسن ابن الداعي علي ابن ابراهيم ، متمادين في الجهل غير عارفين بما له من الفضل ، يُـبدون لمن وصله من أخيار أهل الدعوة الأذى ، ويجاهرون بالجفاء والبذاء . ففارقهم وخرج عنهم وسكن القلعة في وادي ضهر ( 8 ) بدار أبية التي أبتناها وهي دار كانت حسنة وسيعه زينها الداعي العباس وحصصها وأصلحها .
سلم له بنو حاتم دار الباب ، ورفعوا مكانته فهو عندهم رفيع المقام والجناب . وترك أمر الحصون إلى الشيخ حسن ابن الداعي علي ابن إبراهيم . وتفرغ عن شغل الدنيا للعمل الصالح والعلم الجلي . وقصده أهل الدعوة من كل مكان ، ووافاه من يريد الدين من اهل الإيمان . وكان يقوم لهم بالضيافة ، ويتلقاهم بالبشر والقبول كافة . فإذا وصل من لايصلي من أهل دعوته أمر بإخراجه عن الباب مما كان له أبلغ الأثر في أن يصلي كثير من الناس . ولم يتقرب منه أحد إلا بعمل الخير .
أما الشيخ حسن ابن الداعي علي ابن إبراهيم فقد كان يواصله ولاينكر مكانه ولايجهله ، ومتى وصل إلى حصن أفئدة وصل إليه وشاوره ، وعول من المال فيما يستعين به عليه . وأما ابن أخية عبدالله ابن علي ابن الداعي محمد ابن حاتم فقد كان معه في القلعة ساكن في دار كان قد أشتراها تسمى " دار حاتم " وهما لأمر الدعوة مقيمان ، وفي النظر في العلوم مديمان ، يحييان لياليهما بالعبادة وأكثر أيامهما يصومان .
وفي سنة سبع ٍ وخمسين وسبعمائه توفى الشيخ عز الدين معد بن بشر بن حاتم ابن الداعي حسين ابن الداعي علي بن محمد الوليد وكان هو ووالده قد سكنا الأجيبال من معشار علب ( 9 ) ، وكان الداعي محمد ابن حاتم قد أقامهما لأهل الدعوة في اليمن لتعليم الطالبين وهداية للراغبين ، وكان لهما عند ملوك اليمن المكان المكين ، وذلك الذي حدا بهما على فراق أهلهما والمقام في تلك الجهات . وللشيخ معد ابن بشر أشعار حسنة وتفنن في العلوم . وأقيم بعدهما خطاب ابن محمد ابن الداعي علي ابن حسين ابن علي ابن محمد الوليد ( قس ) . ثم أن الداعي الأجل العباس ابن محمد قدم الفقية علي بن أحمد بن ابي القاسم المقريء عليه وأضاف تلك الجهات إليه . وقد كان له فضل مشهور وهو في علم النحو واللغة وغيرهما من العلوم مذكور ، وله فضل وصدق نية .
ثم أن الداعي أفتقد أمر أهل دعوته ورتب كل حد في منزلته . فأصدر أمره لأبن اخية حبر الدعوة العلامة وداعي الدعاة المستحق للفضل والكرامة عبدالله ابن علي ابن الداعي محمد بن حاتم إلى أرض حراز ، وامر الشيخ الأجل علي ابن عبدالله ابن محمد بن أبي المسعود الشيباني إلى بلاد " يام " فأصلح كل منهم الفاسد فيما توجه إليه وأقام المائدة فيمن عول أمره عليه .
حيث قام عبدالله ابن علي بأهل الدعوة في حراز وصلاحهم الكلي وأبان برهان الحق الجلي وأبتنى في العر ( 10 ) دار ، وتسلم حصن حمضة من بني مكين وتسلم حصن المحطة وحصن الشناصب ( 11 ) المحروس . وكتب إلى عمه الداعي العباس بالبشارة فأستبشر وأيقن أن الدين في الجهات الحرازية قطب الرحى والموضع الذي يدفع منه من طغى . وأمن الداعي المأذون عبدالله من أهل الشناصب الموافق والمخالف واطمأن بأمانه الخائف وسكنت لذلك جميع البلاد .
أما الشيخ الأجل علي الشيباني فقد وصل من بلاد يام فأمره الداعي الأجل أن يسكن في حراز ، فوصلها وأبتنى له دارا ً في الشارقة سفح الشناصب وأستقام به أمر المؤالف في حراز وأنقمع المناصب . وطلع الداعي المأذون علي ابن عبدالله إلى عمه الداعي العباس وأقام بين يديه معاضدا ً لأمره فأنتظمت بهما الدعوة وأستقامت وأقاما بالقلعة . أما الشيخ حسن ابن الداعي علي ابن إبراهيم فقد عاتب الداعي الداعي في تصدير ابن أخية الى حراز وجهاته ، والشيخ علي ابن عبدالله الشيباني إلى بلاد يام بغير أخذ رأيه وإشارته فأجابه : إن هذا الأمر لي وهو واجب دونك علي وأدع ُ من شئت فمن أجابك فأنت داعيه ومن لم يستجب لك فلا تستدعيه .
وكان في أيام الداعي الأجل بين ملوك اليمن والسلاطين حروب وقتال شديد ، وكان الشيخ حسن ابن الداعي علي ابن إبراهيم في ذمرمر مقيما ً والداعي الأجل في القلعة ، فكثر الناس القول من أجل إهمال أفئدة ، فوافق الشيخ حسن الداعي وعول عليه أن يكون في حصن افئدة حلاله وهيأ له دار المسعودة في أفئدة ، فكان إليها من القلعة إنتقاله ، وسكن الشيخ حسن معه في دار العنقاء وبقى أولاده في ذمرمر . وكان يختلف إلى ذمرمر وإلى أفئدة ، فلم يطل الداعي الأجل في أفئدة المقام ووافق ذلك ماعرض لجسمه من الآلآم ، فطلب الرجوع إلى القلعة والوقوف فيها بداره التي قد اعتاد فيها طيب قراره فنزل إلى القلعة حيث أعتاد السكون وعاد إلى داره فيها متوقعا ً لنزول أمر الله تعالى متى يكون .
ثم نص على ابن أخية الداعي عبدالله ابن علي ابن الداعي محمد ابن حاتم بحضور الحدود الكرام والعلماء الخلصاء العظام . ثم نقل سيدنا العباس ابن الداعي محمد ابن حاتم إلى دار كرامه الله ورضوانه في يوم السبت الثامن من شهر شوال المكرم سنة تسع وسبعين وسبعمائه ، وكانت ايام دعوته أربع وعشرون سنة وشهران وأربعة وعشرون يوما ً وقبره في المشاهد تحت حصن أفئدة .
-------------------