محب البارقليط
05-01-2002, 03:57 PM
( 8 ) – الداعي حسين بن علي بن الوليد
بعد إنتقال الداعي أحمد بن المبارك ( قس ) تولى الدعوة من بعده إبن عمه حسين أ بن الداعي علي بن محمد الوليد أعلى الله قدسه ، نائبا ً عن ولي الله صاحب عصره في إقامه دعوته ، وإفادة الراغبين من علمه وحكمته . مقيما ً لمعالم الشريعة الحنيفية ، محافظا ً على فروضها وسننها السنية . وهو في الزهد علم الأعلام ، وفي العلم علامة علماء الإسلام . وفي الكرم السخي الجواد. فأقام ساكنا ً في صنعاء ، وكان يغلب علماءها بالبرهان ، ويسكت ألسنتهم كأنهم بكم لا نطق لهم ولا بيان . ويعترف بتفضيله لرسوخه في تحصيله كل من عاصره من ملوك بني غسان،
ولا تخرج من نطاق طاعته بمقتضى سعادته سلاطين بني حاتم وزعماء همدان . ثم إنتقل فسكن مع سلاطين بني حاتم في المكان المكين والمنزلة الأعلى ، وكان مسكنه بذمرمر بدار الريشة داخل باب ياقوت ، يؤم إليه أهل دعوته من كل سهل وجبل . وكان معاضده في أمره وموضع علمه وسره المأذون القاضي الأجل ( أحمد بن الداعي على بن حنظلة المحفوظي الوادعي ) فأستقامت بهما أمور الدعوة وأستحكمت قواعدها ، وجرت على أحسن الأحوال ، وعرف أن العلم خير من المال .
أما عن أيام الداعي فقد كانت هناك حروبا ً كثيرة بين السلاطين وبين الملوك وبين الأشراف . وكان في كل ذلك قائما ً بإظهار دعوته ، ناشرا ً لعلمه وحكمته . في الذين هم له متبعون ، آمرا ً لهم بالمحافظة على الشريعة ، والقيام بأحكامها الموضوعة ، ناهيا ً لهم عن المنكر ، معرضا ً عما الناس فيه من المقابلة على الدنيا الدنية ، تاركا ً أمورها بالكلية . وأتباعه المتأدبون بآدابه من بني حاتم وهمدان وغيرهم في الأقطار والبلدان . والمأذون الأجل أحمد بن الداعي علي بن حنظلة له على إقامة الدعوة له معاضد حتى وافاه الأجل . ( أوردنا ذلك مفصلا ً في سير أعلام الدعوة الإسماعيلية < 6 > ) .
http://216.122.248.165/wadi3/showthread.php?threadid=9739
وفي سنة ( 656 هـ ) قتل المستعصم العباسي ببغداد وهو أخر خلفاء بني العباس وأنقطع ملكهم ، الذي كانت مدته خمسمائة وأربع عشرون سنة وشهورا ، فسبحان من تفرد بالملك وجعل مصير خلقه إلى الهلك ، فكل ملك غير ملكه يزول .
أما الداعي فقد كان يقيم في دار الريشة قريبا ً من دار الأمير أسد الدين ( 1 ) إلا أن دار الريشة داخل باب ياقوت ودار أسد الدين خارجها . وكان الناس من أهل الدعوة يصلون إلى الداعي ، وأعجب اسد الدين ما رأى من الداعي حتى جرت في أسد الدين الدعوة ودخل فيها ، ولكنه قيد إلى السجن ( 2 ) وأختلفت الكلمة بين أولاده وبين بني حاتم في ذمرمر ، وكل أدعى الرياسة منهم ، فأراد الداعي بينهم الصلاح فنبذوا قوله ظهريا ، وأتى سفهاؤهم إليه شيئا ً فريا . وسبه ( على بن سعد أبن علي أبن حاتم ) . وما زالت السفاهة من سفاءهم إليه جارية وكامنة وبادية ، و
( حسين بن جحاف ) عن ذلك يناهم ويردعهم ويزجرهم ويمنعهم ، وكان من فضلاءهم وأهل ديانتهم حتى إنتهوا فيما بينهم في ذلك إلى المجادلة ، وكادوا يصيروا إلى المحاربة ، فخاف الداعي أن يكون بينهم محاربه لأجله فأرتحل عنهم بأهله ، وحل في مدينة صنعاء ساكنا ً فيها ، ومخليا ً لداره بذمرمر التي كان يأويها . ثم أنه وقع بين بني حاتم القتال ، وطارت بينهم النبال ، ودخل ( الرميم بن علي بن حاتم ) إلى بيته ليلبس لامته ( درعه ) فدخل عليه سهم فوقع في نحره فقتله ، ووقعت الصيحة ووالدة الرميم قائمة في محرابها للصلاة ، فلم تلتفت عن المحراب حتى قضت صلاتها .
ثم إن الداعي طلع إلى حصن ذمرمر ليصلح بين بني حاتم ، فأمتنعوا عن الصلح ، وقد دخلت الأحقاد في قلوبهم . ثم أن الداعي بعد نزوله من حصن ذمرمر في صنعاء وهو ذو جاه مع السلطان ، وعلو منزلة ومكان . والمشائخ من أهل دعوته في البلدان يعرفون قدره ويرفعون أمره ، وهو معتضد بولده المأذون الأجل ( علي ) في إقامة دعوته ، وإفادة الطالبين من علمه وحكمته. والمتفقهون من غير أهل مذهبه كانوا يلقون إليه المسائل فيجيبهم بما يسكت أقوالهم ، ويبطل إفتراءهم ومحالهم ، ويدمغ دعواهم وإنتحالهم . ثم نص الداعي الحسين بن الوليد على أبنه الداعي الأجل ( علي ) بحضور الحدود الفضلاء والمخلصين من الأولياء . ولم يزل الداعي الحسين قأئما ً بأمر دعوته حتى قضى الله تعالى بفراقه الدنيا ونقلته . فكانت وفاته في الليلة المسفرة عن يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر صفر سنة سبع ٍ وستين وستمائة ( 667 هـ ) ، وكان قبره بين قبور الدعاة في حقل صنعاء ( 3 ) وأيام دعوته تسع وثلاثون سنة وسبعة أشهر وأربعة وعشرون يوما .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 9 ) - الداعي علي بن حسين بن على بن الوليد
قام بالدعوة بعد إنتقال والده الداعي ( الحسين بن علي بن الوليد ) ، أمرا ً بالمعروف ومانعا ً عن النكير، مواظبا ً على الفرائض تاليا ً للمواعظ والتذكير . مبشرا ً للعاملين الصالحات بالفوز في الدار الأخرة بالثواب ، محذرا ً لمن تمادى في المعاصي بالعقاب . سميره وهجيره تلاوة القرآن ، آمرا ً بالأستمرار على ذلك من أطاعه ، مفيدا ً للراغبين الطالبين ، معلما ًمتأدبا ً بآداب الصالحين . لا يتوانى عن إقامة الحق ، ولا يستكين مع تغلب المتغلبين . لبث في صنعاء مدة من أيامة ، يفوه بعلمه ويقيم لأهل دعوته من الشرع واجب أحكامة . وقد كانت له عند السلطان < المظفر يوسف بن عمر الغساني> ( 4 ) مزية ومنزلة ، وأهل دعوته به محدقون ، وبأخلاقة الرضية متخلقون . وقد كان يعاضده في كل هداية قرينة المأذون الأجل ( الحسين أبن الداعي علي بن حنظلة المحفوظي ) وأخوته القضاة أولاد الداعي علي بن حنظلة ، وكل قائم في صقع يؤدي إليه ما أجتمع عنده ، ويحمل نحوه بره ورفده ، وهو يتواضع للصغير منهم والكبير ، ويشفق عليهم إشفاق الولد البر ، وكان السلطان لا يعترض أحد من أهل مملكته ممن هم على غير مذهبه من أهل الإسلام ، مالم يعارض في أمر مملكته . وقد كانت همدان من أنصاره والأعوان ، وهو لهم مقرب ، ولما يسؤهم مجتنب . وكان في ذلك الوقت بين السلطان المظفر الرسولي وبين الأشراف وبين الإمام الزيدي داؤد والملقب بـ ( المنتصر / ت : 680هـ ) حروب كثيرة وقتال شديد ، ونهب البلاد والقرى . ثم إن الأمير بدر الدين ( محمد بن حاتم اليامي < 5 > ) عول على الداعي أن يرتحل بأولاده إلى العروس من صنعاء ، وقال : إن السلطان قد نزل اليمن وقوى الأشراف ، ولا نأمن عليك إذا حصل في صنعاء الفساد ، وقوى فيها أهل العناد . وأشار عليه بذلك الشيخ ( أسعد بن حاتم السنجاني ) والقضاة من أولاد الداعي علي بن حنظلة ، ومن حضر من كبراء أهل دعوته . فأرتفع الداعي بأولاده إلى العروس وأقام فيه ، وتلقاه بنو حاتم بالترحيب ، وأحلوه في المكان الرحيب . وأخلو له خير دورهم ، وقدموه في جميع أمورهم . فاقام هناك وأهل دعوته يصلون إليه ، وهو يقيم فيهم أحكام الشريعة ، ويعرفهم بعلومهم الجليلة الرفيعة . وأمر بتطهير الحصن من الكلاب لأنها ربما أنجست شيئا ً من الآنية أو ولغت في الغروب ، وربما وصل إلى الموضع الطاهر . فقال في دخول الكلاب يعاتب بني حاتم في أبيات كثيرة :
لقد كان العروس بـــلا إرتياب ** حقيقا ً أن يصان عن الكلاب ِ
وأوساخ الكلاب غدت خليطا ً ** بماء مناهل فيه رحـــــــــاب ِ
فيا سادات قحطان بن هــــــود** وأشرف من علا فوق العــراب ِ
أعيدوا حال حصنكم جميـــــلا ً** على ما كان وأستمعوا خطابِ
وهذا العتب من خل ٍ مـــــــدل ** عليكم فأقبلوا مني عتـــــــابِ
فأقام بالعروس ، وعلى المأذون القاضي ( الحسين بن الداعي علي بن حنظلة ) أعتماده ، وعليه استناده ، والمكاسر الأجل الشيخ ( أسعد بن حاتم السنجاني ) عن رأيه إيراده وإصداره . وهما يقيمان بصنعاء ومن معهما ، وهم إلى داعيهم في العروس يختلفون ، وعلى طاعته يجتمعون ويأتلفون ، والأمير محمد بن حاتم اليامي مقيم بصنعاء عن أمر السلطان المظفر الغساني . وفي الليلة المصبحة عن يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الأخرة سنة سبع ٍ وسبعين وستمائة ( 677 هـ ) كانت وفاة المأذون القاضي ( الحسين بن علي بن حنظلة الوادعي ) أعلى الله قدسة ، وكان قد أتخذه الداعي خدينا ً وأخا ً في الدعوة ، وقرينا ً وصاحبا ً في الأمور ومعينا ً ، وفي أمره معاضدا ً وقائما ً فيما يرضيه وقاعدا ً ، وعلى أمور الدين والدنيا مساعدا ، وفي الدهر لا يبقى حال ، وكل مافي الدنيا إلى زوال . وقد رثاه الداعي بقصيده أوردناها في ( سير أعلام الدعوة الإسماعيلية ) ، في ترجمته في حرف ( الحاء ) . أما الداعي فما زال مقيما ً في العروس للدعوة معروفا ً بالعلوم ، واهل دعوته يهاجرون من الأصقاع إلى كريم حضرته . حتى إذ إستقر السلطان بصنعاء ، وقمع أهل الخلاف ومن في الفساد يسعى . نزل الداعي من حصن العروس وأجتمع بأصحابه في صنعاء ، فكان فيهم علما ً ماهرا ص في العلم مشهورا ً بذلك عند أهل المذاهب ، ويعرف قدره الآتي والذاهب . وله عند ( أهل الدولة ) مكان لا يجهل ، وهو عندهم معظم مبجل . يرفع قدره مع العلماء والزهاد ، ويشيع ذكره في أقاصي البلاد ، وهو لإنفاق المال وإفادة العلم منتجع القصاد ، ومأوى الوفاد ، حتى جاءه أمر الله النازل بالعباد . فحين دنت وفاته ، وحان ميقاته . وكان معوله على القاضي الأجل والسيد الأفضل الحسين بن علي بن حنظلة فأتاه الحمام في حياة الداعي ، فلم يجد من يقوم مقامه ، وينوب عند إنقضاء أيامه . من أهل الفضل والديانة ، والعلم والزهد والديانة غير القاضي ( علي بن الحسن ) أبن الداعي علي بن حنظلة . فعرف الحاضرين من اهل دعوته أنه القائم بالدعوة بعده ، ونص علية في حضورهم ، وأوعز إليهم أن يبلغوا من غاب عنهم فضله ومجده . وقد كانت وفاة الداعي ( علي بن حسين بن الوليد ) في الليلة المسفرة عن يوم الثلاثاء ، الثالث عشر من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين وستمائة ( 682هـ ) ، وقبره في حقل صنعاء . وكانت أيام دعوته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وواحد وعشرون يوما ً ( قس ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) – الأمير أسد الدين محمد بن بدر الدين الحسن بن علي بن رسول ، أبن أخ السلطان نور الدين عمر بن علي بن رسول ، أول ملوك الدولة الرسولية باليمن والمتوفي ( 647 هـ ) .
( 2 ) – سجن الأمير محمد أسد الدين سنة ( 658 هـ ) في حصن تعز على يد ابن عمه الملك المظفر يوسف بن رسول ، وذلك لخلاف قديم بينهما على الملك . ( من كتاب العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية / للخزرجي ـ ج1/195 ) .
( 3 ) – حقل صنعاء : أرض خصبة غربي صنعاء ( من كتاب تاريخ مدينة صنعاء / لأحمد بن عبدالله الرازي ـ ص / 140 ، 354 ) .
( 4 ) – الملك المظفر يوسف بن عمربن علي الغساني التركماني ثاني ملوك بني رسول ، كانت وفاته في عام ( 694هـ ) ، من مؤلفاته < المعتمد في الأدوية المفردة > تحقيق مصطفى السقا .
( 5 ) – هو الأمير محمد بن حاتم بن أحمد بن عمران بن الفضل اليامي ، مؤلف كتاب " السمط الغالي الثمن في أخبار الملوك من الغز باليمن " ، كان من المناصرين للملك المظفر والعاملين في خدمته .
&&&&&&&&&&&&
( يتبع مع سيرة الدعاة المطلقين )
بعد إنتقال الداعي أحمد بن المبارك ( قس ) تولى الدعوة من بعده إبن عمه حسين أ بن الداعي علي بن محمد الوليد أعلى الله قدسه ، نائبا ً عن ولي الله صاحب عصره في إقامه دعوته ، وإفادة الراغبين من علمه وحكمته . مقيما ً لمعالم الشريعة الحنيفية ، محافظا ً على فروضها وسننها السنية . وهو في الزهد علم الأعلام ، وفي العلم علامة علماء الإسلام . وفي الكرم السخي الجواد. فأقام ساكنا ً في صنعاء ، وكان يغلب علماءها بالبرهان ، ويسكت ألسنتهم كأنهم بكم لا نطق لهم ولا بيان . ويعترف بتفضيله لرسوخه في تحصيله كل من عاصره من ملوك بني غسان،
ولا تخرج من نطاق طاعته بمقتضى سعادته سلاطين بني حاتم وزعماء همدان . ثم إنتقل فسكن مع سلاطين بني حاتم في المكان المكين والمنزلة الأعلى ، وكان مسكنه بذمرمر بدار الريشة داخل باب ياقوت ، يؤم إليه أهل دعوته من كل سهل وجبل . وكان معاضده في أمره وموضع علمه وسره المأذون القاضي الأجل ( أحمد بن الداعي على بن حنظلة المحفوظي الوادعي ) فأستقامت بهما أمور الدعوة وأستحكمت قواعدها ، وجرت على أحسن الأحوال ، وعرف أن العلم خير من المال .
أما عن أيام الداعي فقد كانت هناك حروبا ً كثيرة بين السلاطين وبين الملوك وبين الأشراف . وكان في كل ذلك قائما ً بإظهار دعوته ، ناشرا ً لعلمه وحكمته . في الذين هم له متبعون ، آمرا ً لهم بالمحافظة على الشريعة ، والقيام بأحكامها الموضوعة ، ناهيا ً لهم عن المنكر ، معرضا ً عما الناس فيه من المقابلة على الدنيا الدنية ، تاركا ً أمورها بالكلية . وأتباعه المتأدبون بآدابه من بني حاتم وهمدان وغيرهم في الأقطار والبلدان . والمأذون الأجل أحمد بن الداعي علي بن حنظلة له على إقامة الدعوة له معاضد حتى وافاه الأجل . ( أوردنا ذلك مفصلا ً في سير أعلام الدعوة الإسماعيلية < 6 > ) .
http://216.122.248.165/wadi3/showthread.php?threadid=9739
وفي سنة ( 656 هـ ) قتل المستعصم العباسي ببغداد وهو أخر خلفاء بني العباس وأنقطع ملكهم ، الذي كانت مدته خمسمائة وأربع عشرون سنة وشهورا ، فسبحان من تفرد بالملك وجعل مصير خلقه إلى الهلك ، فكل ملك غير ملكه يزول .
أما الداعي فقد كان يقيم في دار الريشة قريبا ً من دار الأمير أسد الدين ( 1 ) إلا أن دار الريشة داخل باب ياقوت ودار أسد الدين خارجها . وكان الناس من أهل الدعوة يصلون إلى الداعي ، وأعجب اسد الدين ما رأى من الداعي حتى جرت في أسد الدين الدعوة ودخل فيها ، ولكنه قيد إلى السجن ( 2 ) وأختلفت الكلمة بين أولاده وبين بني حاتم في ذمرمر ، وكل أدعى الرياسة منهم ، فأراد الداعي بينهم الصلاح فنبذوا قوله ظهريا ، وأتى سفهاؤهم إليه شيئا ً فريا . وسبه ( على بن سعد أبن علي أبن حاتم ) . وما زالت السفاهة من سفاءهم إليه جارية وكامنة وبادية ، و
( حسين بن جحاف ) عن ذلك يناهم ويردعهم ويزجرهم ويمنعهم ، وكان من فضلاءهم وأهل ديانتهم حتى إنتهوا فيما بينهم في ذلك إلى المجادلة ، وكادوا يصيروا إلى المحاربة ، فخاف الداعي أن يكون بينهم محاربه لأجله فأرتحل عنهم بأهله ، وحل في مدينة صنعاء ساكنا ً فيها ، ومخليا ً لداره بذمرمر التي كان يأويها . ثم أنه وقع بين بني حاتم القتال ، وطارت بينهم النبال ، ودخل ( الرميم بن علي بن حاتم ) إلى بيته ليلبس لامته ( درعه ) فدخل عليه سهم فوقع في نحره فقتله ، ووقعت الصيحة ووالدة الرميم قائمة في محرابها للصلاة ، فلم تلتفت عن المحراب حتى قضت صلاتها .
ثم إن الداعي طلع إلى حصن ذمرمر ليصلح بين بني حاتم ، فأمتنعوا عن الصلح ، وقد دخلت الأحقاد في قلوبهم . ثم أن الداعي بعد نزوله من حصن ذمرمر في صنعاء وهو ذو جاه مع السلطان ، وعلو منزلة ومكان . والمشائخ من أهل دعوته في البلدان يعرفون قدره ويرفعون أمره ، وهو معتضد بولده المأذون الأجل ( علي ) في إقامة دعوته ، وإفادة الطالبين من علمه وحكمته. والمتفقهون من غير أهل مذهبه كانوا يلقون إليه المسائل فيجيبهم بما يسكت أقوالهم ، ويبطل إفتراءهم ومحالهم ، ويدمغ دعواهم وإنتحالهم . ثم نص الداعي الحسين بن الوليد على أبنه الداعي الأجل ( علي ) بحضور الحدود الفضلاء والمخلصين من الأولياء . ولم يزل الداعي الحسين قأئما ً بأمر دعوته حتى قضى الله تعالى بفراقه الدنيا ونقلته . فكانت وفاته في الليلة المسفرة عن يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر صفر سنة سبع ٍ وستين وستمائة ( 667 هـ ) ، وكان قبره بين قبور الدعاة في حقل صنعاء ( 3 ) وأيام دعوته تسع وثلاثون سنة وسبعة أشهر وأربعة وعشرون يوما .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 9 ) - الداعي علي بن حسين بن على بن الوليد
قام بالدعوة بعد إنتقال والده الداعي ( الحسين بن علي بن الوليد ) ، أمرا ً بالمعروف ومانعا ً عن النكير، مواظبا ً على الفرائض تاليا ً للمواعظ والتذكير . مبشرا ً للعاملين الصالحات بالفوز في الدار الأخرة بالثواب ، محذرا ً لمن تمادى في المعاصي بالعقاب . سميره وهجيره تلاوة القرآن ، آمرا ً بالأستمرار على ذلك من أطاعه ، مفيدا ً للراغبين الطالبين ، معلما ًمتأدبا ً بآداب الصالحين . لا يتوانى عن إقامة الحق ، ولا يستكين مع تغلب المتغلبين . لبث في صنعاء مدة من أيامة ، يفوه بعلمه ويقيم لأهل دعوته من الشرع واجب أحكامة . وقد كانت له عند السلطان < المظفر يوسف بن عمر الغساني> ( 4 ) مزية ومنزلة ، وأهل دعوته به محدقون ، وبأخلاقة الرضية متخلقون . وقد كان يعاضده في كل هداية قرينة المأذون الأجل ( الحسين أبن الداعي علي بن حنظلة المحفوظي ) وأخوته القضاة أولاد الداعي علي بن حنظلة ، وكل قائم في صقع يؤدي إليه ما أجتمع عنده ، ويحمل نحوه بره ورفده ، وهو يتواضع للصغير منهم والكبير ، ويشفق عليهم إشفاق الولد البر ، وكان السلطان لا يعترض أحد من أهل مملكته ممن هم على غير مذهبه من أهل الإسلام ، مالم يعارض في أمر مملكته . وقد كانت همدان من أنصاره والأعوان ، وهو لهم مقرب ، ولما يسؤهم مجتنب . وكان في ذلك الوقت بين السلطان المظفر الرسولي وبين الأشراف وبين الإمام الزيدي داؤد والملقب بـ ( المنتصر / ت : 680هـ ) حروب كثيرة وقتال شديد ، ونهب البلاد والقرى . ثم إن الأمير بدر الدين ( محمد بن حاتم اليامي < 5 > ) عول على الداعي أن يرتحل بأولاده إلى العروس من صنعاء ، وقال : إن السلطان قد نزل اليمن وقوى الأشراف ، ولا نأمن عليك إذا حصل في صنعاء الفساد ، وقوى فيها أهل العناد . وأشار عليه بذلك الشيخ ( أسعد بن حاتم السنجاني ) والقضاة من أولاد الداعي علي بن حنظلة ، ومن حضر من كبراء أهل دعوته . فأرتفع الداعي بأولاده إلى العروس وأقام فيه ، وتلقاه بنو حاتم بالترحيب ، وأحلوه في المكان الرحيب . وأخلو له خير دورهم ، وقدموه في جميع أمورهم . فاقام هناك وأهل دعوته يصلون إليه ، وهو يقيم فيهم أحكام الشريعة ، ويعرفهم بعلومهم الجليلة الرفيعة . وأمر بتطهير الحصن من الكلاب لأنها ربما أنجست شيئا ً من الآنية أو ولغت في الغروب ، وربما وصل إلى الموضع الطاهر . فقال في دخول الكلاب يعاتب بني حاتم في أبيات كثيرة :
لقد كان العروس بـــلا إرتياب ** حقيقا ً أن يصان عن الكلاب ِ
وأوساخ الكلاب غدت خليطا ً ** بماء مناهل فيه رحـــــــــاب ِ
فيا سادات قحطان بن هــــــود** وأشرف من علا فوق العــراب ِ
أعيدوا حال حصنكم جميـــــلا ً** على ما كان وأستمعوا خطابِ
وهذا العتب من خل ٍ مـــــــدل ** عليكم فأقبلوا مني عتـــــــابِ
فأقام بالعروس ، وعلى المأذون القاضي ( الحسين بن الداعي علي بن حنظلة ) أعتماده ، وعليه استناده ، والمكاسر الأجل الشيخ ( أسعد بن حاتم السنجاني ) عن رأيه إيراده وإصداره . وهما يقيمان بصنعاء ومن معهما ، وهم إلى داعيهم في العروس يختلفون ، وعلى طاعته يجتمعون ويأتلفون ، والأمير محمد بن حاتم اليامي مقيم بصنعاء عن أمر السلطان المظفر الغساني . وفي الليلة المصبحة عن يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الأخرة سنة سبع ٍ وسبعين وستمائة ( 677 هـ ) كانت وفاة المأذون القاضي ( الحسين بن علي بن حنظلة الوادعي ) أعلى الله قدسة ، وكان قد أتخذه الداعي خدينا ً وأخا ً في الدعوة ، وقرينا ً وصاحبا ً في الأمور ومعينا ً ، وفي أمره معاضدا ً وقائما ً فيما يرضيه وقاعدا ً ، وعلى أمور الدين والدنيا مساعدا ، وفي الدهر لا يبقى حال ، وكل مافي الدنيا إلى زوال . وقد رثاه الداعي بقصيده أوردناها في ( سير أعلام الدعوة الإسماعيلية ) ، في ترجمته في حرف ( الحاء ) . أما الداعي فما زال مقيما ً في العروس للدعوة معروفا ً بالعلوم ، واهل دعوته يهاجرون من الأصقاع إلى كريم حضرته . حتى إذ إستقر السلطان بصنعاء ، وقمع أهل الخلاف ومن في الفساد يسعى . نزل الداعي من حصن العروس وأجتمع بأصحابه في صنعاء ، فكان فيهم علما ً ماهرا ص في العلم مشهورا ً بذلك عند أهل المذاهب ، ويعرف قدره الآتي والذاهب . وله عند ( أهل الدولة ) مكان لا يجهل ، وهو عندهم معظم مبجل . يرفع قدره مع العلماء والزهاد ، ويشيع ذكره في أقاصي البلاد ، وهو لإنفاق المال وإفادة العلم منتجع القصاد ، ومأوى الوفاد ، حتى جاءه أمر الله النازل بالعباد . فحين دنت وفاته ، وحان ميقاته . وكان معوله على القاضي الأجل والسيد الأفضل الحسين بن علي بن حنظلة فأتاه الحمام في حياة الداعي ، فلم يجد من يقوم مقامه ، وينوب عند إنقضاء أيامه . من أهل الفضل والديانة ، والعلم والزهد والديانة غير القاضي ( علي بن الحسن ) أبن الداعي علي بن حنظلة . فعرف الحاضرين من اهل دعوته أنه القائم بالدعوة بعده ، ونص علية في حضورهم ، وأوعز إليهم أن يبلغوا من غاب عنهم فضله ومجده . وقد كانت وفاة الداعي ( علي بن حسين بن الوليد ) في الليلة المسفرة عن يوم الثلاثاء ، الثالث عشر من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين وستمائة ( 682هـ ) ، وقبره في حقل صنعاء . وكانت أيام دعوته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وواحد وعشرون يوما ً ( قس ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) – الأمير أسد الدين محمد بن بدر الدين الحسن بن علي بن رسول ، أبن أخ السلطان نور الدين عمر بن علي بن رسول ، أول ملوك الدولة الرسولية باليمن والمتوفي ( 647 هـ ) .
( 2 ) – سجن الأمير محمد أسد الدين سنة ( 658 هـ ) في حصن تعز على يد ابن عمه الملك المظفر يوسف بن رسول ، وذلك لخلاف قديم بينهما على الملك . ( من كتاب العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية / للخزرجي ـ ج1/195 ) .
( 3 ) – حقل صنعاء : أرض خصبة غربي صنعاء ( من كتاب تاريخ مدينة صنعاء / لأحمد بن عبدالله الرازي ـ ص / 140 ، 354 ) .
( 4 ) – الملك المظفر يوسف بن عمربن علي الغساني التركماني ثاني ملوك بني رسول ، كانت وفاته في عام ( 694هـ ) ، من مؤلفاته < المعتمد في الأدوية المفردة > تحقيق مصطفى السقا .
( 5 ) – هو الأمير محمد بن حاتم بن أحمد بن عمران بن الفضل اليامي ، مؤلف كتاب " السمط الغالي الثمن في أخبار الملوك من الغز باليمن " ، كان من المناصرين للملك المظفر والعاملين في خدمته .
&&&&&&&&&&&&
( يتبع مع سيرة الدعاة المطلقين )