المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نبذ من سير دعاة المستعلية الأخيار ( 2 )


محب البارقليط
30-12-2001, 04:09 PM
( 5 ) – الداعي علي بن محمد الوليد

بعد إنتقال الداعي علي بن حاتم ( قس ) ، قام بالدعوة من بعده الداعي الأجل على بن محمد بن الوليد القرشي ، فأقام الدعوة وكان لأهلها الزعيم والقدوة ، واقام في صنعاء ، وأجتمعت على طاعته السلاطين والزعماء من همدان ، وساس جميعهم سياسة كاملة . وكان له مع الداعي حاتم بن إبرهيم وولده الداعي علي بن حاتم اليد الطولى والرتبة السامية ، التي هو أحرى بها واولى . وفي فضله يقول الداعي حاتم : وأما المجد والرياسة ، والزهد والسياسة ، والتخلق بخير الأخلاق والعطاء في سبيل الله ، والقيام بأعمال الشريعة ، والنهي عن المنكرات الشنيعة ، والطهارة والورع والعفة والعبادة والنسك والولاية والأدب والأوصاف المحمودة فلا يوجد ذلك كله إلا فيه ولا يقاس أحد به ، واعلم أنا إذا طلبنا وجود هذه الخصال لم توجد بكليتها إلا في الشيخ الأجل الحميد على بن محمد بن الوليد تولى الله حياطته . وأما شرف النسب فإنه أشرف أهل الوقت نسبا وأعلاهم حسبا وأقدمهم في الدعوة الهادية ، واسبقهم إلى الأفعال الرضية . وذلك أن جده إبراهين بن أبي سلمة لسبقه وشرفه سفّره الداعي الأجل على بن محمد الصليحي إلى الحضرة الشريفة المستنصرية ، فلما وصل إليها ومثل بين يدي الإمام تكلم بما راق جميع الحاضرين من الكلام مما أبان أنه رجل أديب مهذب …… فكفى سبطه الداعي علي بن محمد بهذا من حيث الإنتساب إليه مفخرا ً ، وحسبه إن جاء بعده أزيد عليه في محاسن الفضل وأوفرا . وذكر أيضا ( قس ) في بعض كلامه عنه : أنه لما سلم أبنه عليا إليه لتربيته وتهذيبه وتكميل صورته ، أقبل إليه أحسن الإقبال ، ورواه من كوثر علمه السلسال . فلما جعله في الكمال مثله ، وصنع إليه من الجميل ما كان أهله سأله في أمره ، فقال : يامولانا إن أبنك هذا قد استوفى حدود التعليم ، وبلغ مبلغ الفاضل العليم . جمع كل خصائل علائي ، وأستفرغ من العلم ما كان في وعائي . ثم أن له من حيث يتقرب إليك بالبنوة فضيلة أخرى تقتضي أن يكون بالدرجة العلياء ، علي أولى وأحرى ، وذلك لقول الله تعالى عن الأشباه :" وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ " . إن ولدك حرى أن تجعله مقامك ، وتقيمه ليخلفك بعد إنقضاء أيامك ، فأنتقده وأختبره فوجده كما أنباه عنه ، وما زال به حتى سمع كلامه وبلغه لصفاء نيته مرامه . فيالها من فضيلة أنفرد بها … ولذلك أضفت إليه أمر الدعوة الهادية ، هذا ما قاله عنه الداعي حاتم الحامدي .
وكان من أجل مواهب الله عليه أن نقل الأمر الى ولده بعد نقلته فتسلسل في سته عشر داعي من عترته ، أبتداءا من الداعي ( الحسين بن علي بن الوليد ) إلى الداعي ( محمد بن الحسين بن أدريس ) حيث كان كل منهم محمود الأثر ، كرامة من الله لخدمته الحسنى ، وشكرا لسعيه الطيب مع الدعاة .
ولم يزل الداعي علي بن الوليد قائما بامر دعوته حيث أتسقت به أمور الدعوة وعلا شأنها ، ووضحت حجتها وبان برهانها . وله حجج واضحات في إبطال ما نمقه المفترون من الطعن على مذهبه . وقد كان المعاضد له على أمره ، والمطيع له في كل شأنه ، والنائب منابه ، والفاتح لمن أتصل به من العلم أبوابه المأذون الأجل ( علي بن حنظلة بن أبي سالم الوادعي الهمداني ) وهو أعز بيت في قبيلته ، وخيرهم في فرع المجد وأصله .
وكان ( محمد بن أحمد الأحوري ) ممن كان له فسح في الدعوة وقت الداعي حاتم بن إبراهيم ، وولده الداعي علي بن حاتم وهو مظهر لطاعتهما ، ثم تبين للداعي علي بن حاتم ميله عما عليه أهل دعوة الأئمة صلوات الله عليهم من النمط الأوسط إلى الغلو ، وأنه أدخل بين المشائخ " أهل السوء " الضغائن ، وسعى بينهم سعي المائن الخائن . فأراد الداعي علي بن حاتم أن يمحو عن الدعوة أسمه ، ويغير رسمه . ولكن المنيه عاجلت الداعي علي بن حاتم عن تنفيذ أمره فيه . وحين أفضت الدعوة إلى الداعي المجيد علي بن محمد بن الوليد ، قصد هذا الأحوري إلى موضع إستقراره " وتظاهر بتوبته عما نسب إليه " وطلب من الداعي أن يغفر له ، فقربه الداعي وغفر له وأبقاه على ما كان عليه . إلا ما كان من " رتبة المشائخ " . فأستشاط عند ذلك الأحوري من الغيظ والحنق وقال : لا يلزمك أن تنقض ما كان لي أنعقد ، وتصدني عنه فمثلي لا يصد . فقال له الداعي : لا تجادل في ذلك ولا تماري ، فإني في دين الله لا أداري . فأظهر الطاعة و " أجن النفاق " وسار يفسد في الدين حيث توجه في الآفاق . ثم لما أنتهى إلى مستقره في ( صيهاب ) أظهر نفاقه ولم يخف الله وأدعى أنه بالدعوة أولى ، وتسامى ألى أمر يقصر عنه فعلا وقولا ، وأدعى مرتبه القيام بالدعوة لنفسه ، وهو في المكان الأبعد عن ذلك وجنسه . فكتب إليه كبراء أهل الدعوة بالتعنيف ، ورجوعه عن رأيه السخيف . فمن ذلك قول المأذون الأجل علي بن حنظلة في رسالة له قال فيها :
أعلمني ايها الضال الجاهل الأحمق بماذا تستحق الترتب في رتبه مولاك الذي لولاه ماعرفت ولا قيل لك ذلك ؟ أفي الورع والعفة ، أم في الزهد ، أم في إحياء كثير من الليالي بالتهجد والقيام ، أم في المواظبة على الصلاة فروضها وسننها ونوافلها والصيام . أم في كرمه وإطعامه في سني الجدب للضعفاء والمساكين ، أم في فصاحته وعلمه ، أم في تواضعه ، أم في تحننه على الصغير والكبير ، أم في حلمه ، أم في ذبه عن حمى الدعوة الهادية بسيفه ولسانه ، أم أتيت بعشر العشر مما أتى به من الكتب الجامعة لأسرار الدقائق ، المحتوية على فنون الحقائق ؟ ثم أعلمني بماذا تماثله أفي خصاله المحمودة وشيمة . وأيضا قال الشيخ الأجل( على بن محمد بن طاهر الحارثي) في رسالة " البيان " التي أتى فيها بحجج ومواعظ لهذا المائن المفترى المعروف بمحمد بن أحمد الأحوري ، حيث مما قاله من الشعر فيه :

أتكفر أنعمه السابغــــــات ** وبرهانه للبرايا جلـــي
وتزعم أنك كفوا ً لـــــــه ** بأي الفنون أبن ذاك لي ؟
أفي حلمه والوقار العظيم ** أفي عقله الراجح الأكمل ِ
أفي جوده والأيادي الجسام** وإطعامه الزمن الممحل ِ
أفي زهده والتقى والعفاف** أفي حسن رأفته بالــولي
أفي كونه ورعا ناسكــــا ً** يجاهد ضد بني المرسل ِ
أفي علمه بجميع الفنـــون** وحسن العبارة بالمقــول ِ
وإنشائه والنظام البديـــــع** وإيضاحه غامض المشكل ِ
أفي حسن سيرته في الأنام** لقد جرت فيه ولم تعـــدل ِ
فتب وأنسلخ من دني المقال* فقد دحضت حجة المبطـل ِ
ولا تك مدعيا ً رتبــــــــة ً* فإنك عن ذاك صفر خلــــي

فما كان من الدعوة بعد ذلك إلا أن رفضت هذا الأحوري وأستحقرة الأنام ، وأقام الداعي على بن الوليد ( الشيخ عبدالله بن منصور بن أبي الفتح ) بدلا منه فيمن كان من أهل الدعوة في الحقل ويحصب وذمار وصيهاب وما ينضاف إليها ومخلاف جعفر والجند وأعمالها وبلاد ذخر والمعافر ولحج وأبين وزبيد وعدن ونواحيها وتهامة وما يليها ، لهداية الراغب وإفادة الباحث الطالب . وكان إلى الأحورى أكثر هذه البلاد ، فأمحى عنها اثره وأنطمس ذكره جزاء بما كسبت يداه ، وأظهر من نفاقه وأبداه كما قال تعالى : " وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً " .

أما الداعي علي بن الوليد فأنه أصبح مقيما في صنعاء وهو متردد إلى ذمرمر والعروس ، حيث نص على الداعي علي بن حنظلة بحضور الحدود الفضلاء والأولياء الخلصاء . وقد كانت وفاة الداعي علي بن محمد الوليد في نصف الليلة المسفرة عن يوم الأحد السابع والعشرين من شعبان الكريم سنة أثنتي عشر وستمائه ( 612 هـ ) وكان عمره قد وافى على التسعين عاما ، وكان صحيح الجوارح ، يؤلف الكتب ، ويخترع الخطب ، ويقوم بالعبادة وتعليم أهل الأستفادة ، وكانت أيام دعوته ست سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيام .


ـــــــــــــــــــــــــــــــ

( 6 ) - الداعي علي بن حنظلة المحفوظي

قام بأمر الدعوة بعد الداعي علي بن الوليد ( قس ) وكان في العلم بارعا ، وفي فنونه كارعا . وكانت له عند الملوك منزلة ومكانة ، وله في علوم النجوم وأخبار الكائنات علم ومعرفة ، وأيضا له في الدعوة الأجتهاد القديم منذ أوان الداعي حاتم بن أبراهيم إلى وقت مقيمه الحميد على بن محمد الوليد . فأقام من الدعوة دعائمها ، وشهر معالمها . يقصده القصاد ، ويفد إليه الوفاد . طلبا لعلمه ونائله ، وتأدبا بإدابه ، وله العلم المشهور كالعلم والفضل الذي لا يجارى فيه بقدم ، والزهد والعبادة والرياسة والسيادة التي لا يختلف في تفضيله اثنان .
وكان مقامه الأكثر بصنعاء أو في ذمرمر ، وصنعاء كانت لملوك بني أيوب وله عندهم عالي المنزلة ، وذمرمر لبني حاتم وهو عندهم من التعظيم في الرتبة الأولى ، وهم لقوله طائعون ولرأيه سامعون . وأصدر إلى أصقاع اليمن والهند والسند الولاة وبث فيها العلم المستفاد من آل الرسول عليهم اسنى الصلاة ، واقام فيهم شريعة الإسلام ، وعرفهم الحلال والحرام ، ولم يعرض نفسه لمعارضة أهل الدنيا ، " إذ من أهل الدعوة من يذب حوزتهم ويدافع عنهم " . وكان في السياسة على صيغة استمال بها من همدان القلوب ، وقد تلاشى بوجوده الدعوة المجيدية ، وأخمد نار الفتنة الزيدية . وكان في أيامة بين الملوك قتال شديد في صنعاء وذمرمر وبلاد اليمن كلها ، وكان في أثناء هذه الأحوال قأئما بأمور دعوته مستعينا بالله تعالى ، مقيما للداعي أحمد بن المبارك بن الوليد في الدعوة لمعاونته ومعاضدته في إصلاح أمور ما قبله ونشر علمه وحكمته ، ثم بالداعي الحسين بن علي بن الوليد ، حتى ألم بالداعي القاضي على بن حنظلة المقدور وجاءته الوفاة في الليلة المسفرة عن يوم الأحد الثالث عشر من ربيع الأول سنة ست وعشرين وستمائه ( 626 هـ ) وكانت أيام دعوته ثلاث عشر سنة وستة أشهر وستة عشر يوما ( قس ) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 7 ) - الداعي أحمد بن المبارك بن محمد الوليد

قام بعد أنتقال الداعي علي بن حنظلة بأمر الدعوة فبث الحدود في الأصقاع ، وزاره المؤمنون من البقاع ، وله ولقومه مع أهل الدولة " الرسولية " المكان المكين .
كان مقامه في صنعاء وهو يكدح في طاعة الله وعبادته ، ويسعى ويحوط أمور أهل دعوته ويرعى ويقيم اصول الدين فرعا وأصلا . واعتضد بأبن عمه المأذون الأجل الحسين بن الداعي علي بن محمد الوليد ، وبالمكاسر القاضي أحمد بن الداعي علي بن حنظلة الوادعي . فأقاموا من الدعوة باليمن مراسمها ، ورفعوا معالمها ، وأنصلحت لهم أمورها ، وأجتمع لهم جمهورها ، وبعثوا إلى أصقاعة من أرتضوا أعماله ، وصلحت نيته وأفعاله . أما الداعي الأجل أحمد بن المبارك بن الوليد فلم يطل مكثه بعد انفراده بالدعوة بل جاءه الأمر المحتوم ، ووافاه القدر المعلوم
ونص بحضور الحدود المخلصين والمؤمنين المؤقنين على أبن عمه الداعي الأجل الحميد الحسين بن علي بن محمد الوليد . وكانت وفاته في يوم الأحد الثامن والعشرين من شهر جمادى الأخر سنة سبع وعشرين وستمائه ( 627 هـ ) وكانت أيام دعوته سنة واحدة وثلاثة أشهر وسبعة عشر يوما أعلى الله قدسة .


……… ( يتبع مع سيره الدعاة المطلقين )