صوت الحق
23-12-2001, 11:41 PM
في اعتقادي أن كثيراً من الناس نسوا العلاقات الإنسانية أو انسلخوا منها، وأجزم أن الكثيرين منهم -أيضاً- لهم نفوس تموج بأسباب الفضائل لكنها لا تُحْكمها ولا تضبطها، وما كان التواد الصحيح بين الناس إلا عملاً من أعمال الإرادة، غايته إيجاد الغرائز العليا في الإنسان بالأسلوب الذي لا تخلق الغرائز العملية إلا به، وعلى النحو الذي لا تصلح الحياة إلا عليه، واظهر آثار هذه العلاقات وأوثقها هو تحديدها وتنسيقها والملاءمة بينها فإذا كلّت ووهنت وانبنت على تبادل المصالح -لا غير- فإنها كيفما كانت تجعل طرق الناس متداخلة متعادية، فيقطع بعضها على بعض، وأنت إذا بحثت عن الوحدة التي تحاول ضم الإنسانية المتنافرة وردها على مرجع واحد لم تجدها في غير هذه العلاقات الإنسانية، وهذا قائم في كل وحدة إنسانية، أدناها البيت والأسرة ثم المجتمع والأمة فالدوائر الحكومية وهذه تحتل الحيز الأعظم من هذا في موظفيها ومواجهتهم للجمهور، فهي -العلاقات- أبداً تقابل في كل نفس ما تطغى به الحياة على أهلها -إذا صدقت- إلا أن تحذف الزيادات الضارة بالإنسان من بيئته: كالرياء والمحاباة (والإغضاء على وغر في الصدر مكنون) أو الهدنة على دخن، والذي يسوء أكثر أن عالم اليوم قد انبنت علاقات أهله أو قامت على المصلحة واللهث وراء المادة وما يوصل إليها، وبالغ الناس في السعي وراءها وأسرفوا على أنفسهم في الكد لطلبها بأخلاق وشيم ليس لأكثرها موضع في الإنسان ولا يتسع عمره القصير لها، ومن المؤكد أنه كلما قويت هذه الحالة ضعفت العلاقات والروابط الإنسانية.. وأعتقد أن هذا من *** الحيوانية في الإنسان بل هو تطور فاسد في أخلاقه التاريخية حتى أخذت تلك الحيوانات العاقلة تُملي تاريخ الأرض في الأرض غير مهذب ولا منقح، بل أصواتاً تتعاوى، والحقيقة تصيح من أفواه الآباء والأجداد القدامى ومن الحكماء وخدّام الإنسانية قائلة: إن ذلك جهل وطمع وتسفّل، ومن أجل هذا صارت الإنسانية لا تتقدم خطوة إلا وقعت زمناً تلهث وتستروح مما بها، لكثرة ما تحمل من المتناقضات، وقد صدق ما يقال: بأن الناس الآن عبيد أهوائهم ومصالحهم، وأينما يكون محلك من هذا الهوى وهذه المصلحة فهناك محل اللفظة التي أنت خليق بها لديهم.. وهناك يتلقاك ما أنت أهله أو ما يريدون أن تكون أهله، فالعلاقات الإنسانية حرم أمني، فإذا توترت فالحواس كلها زائفة متراجعة مقلوبة، وهذا هو نظامها ونسقها مع العلاقات، فلا سخرية ولا ضلالة ولا عبث ولا خداع إلا في أسلوبنا الإنساني المبني على حواسنا الزائفة بسبب علاقاتنا المثلّمة كما تنود السفينة إذا خفت على موج البحر، وما عبث البحر بها ولكن يبعث بها وزنها، والإنسان إنما خلق اجتماعياً بالطبع، فهو بشخصه لا قيمة له، ولا منفعة إلا بحيث يكون شخصه جزءاً من المجموع، وكل خلل في هذا النظام الاجتماعي، فإنما مرده إلى طغيان بعض الأفراد وجنوحهم، وفي الإنسان خاصية لولاها لما توفرت رغبة في عمل ولا صح نشاط في الرغبة ولا توجه عزم على النشاط، ولا توثقت عقدة على عزم، غير أن فيه كذلك ما يفسد هذه الخاصية أو يضعفها أو يعطلها ويجعلها تضل ولا تهدى، فما هذه الخاصية يا ترى؟ إنها الأخلاق التي تقوم وتنبني عليها العلاقات والروابط البناءة لينقلب بها الشخص إنساناً صحيحاً لم تزوّره الدنيا، ولو أراد الله بهؤلاء المزوّرين على الحياة خيراً لوضع في أبصارهم أشعة تنبعث في طيات القلوب فتعرف ألوان العواطف وتميزها لوناً من لون، ولكن لحكمة منه جل وعلا جعل الوجه غطاء على معاني القلب حتى ليختبئ الإنسان عن الإنسان وهو مكشوف لعينه، وإذا أوجد الخير والشر صريحين فقد أوجد الإنسان ثالثهما، فكثير من الناس يكون فيه آلة واحدة للصدق وهي القلب، وآلتين للكذب: هما وجهه ولسانه، فكأن مثل هذا الإنسان قائم بغير إنسانيته.
ولكم فائق تحياتي
ولكم فائق تحياتي