الشريمي
14-12-2001, 09:09 PM
أخوانى
الآميه ماذا تعنى
قال الفيروزآبادي: الأمي: من لا يكتب، أو من على خلقة الأمة لم يتعلم الكتاب، وهو باق على جبلته.
وقال أبو إسحاق: الأمي المنسوب إلى ما عليه جبلته أمه، أي لا يكتب.
وفي الأثر: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب؛ أي إنهم على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب، فهم على جبلتهم الأولى.
وقيل للعرب الأميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة أو عديمة1.
وقيل الأمية الغفلة والجهالة، فالأمي منه، وذلك هو قلة المعرفة2، وقيلت أقوال أخرى ومنها الجلف الجافي، إلا إن أشهرها عدم القدرة على القراءة والكتابة.
هذا ما اصطلح عليه في مفهوم الأمية عند العرب، ويقابله في الإنجليزية مصطلح Illiterate ، والذي يحمل معان أوسع مما هو عليه في العربية: الذي ليس له حظ من التعليم أو كان له حظ قليل منه، وخصوصا عدم القدرة على القراءة والكتابة؛ الافتقار إلى اللغة والأدب؛ مخالفة قواعد الحديث والكتابة المتعارفة؛ عدم الاطلاع على أساسيات علم معين3.
ولعل هذه التعريفات تجعلنا نعيد النظر في حقيقة هذا المصطلح، وحقيقة أن الأمية أمر نسبي، وأن هناك أميون وأشباه أميين، ولعله لا يخلو أحدنا من الأمية وخصوصا بالمعنى الأخير، إذ لا يمكن أن يكون المرء مطلعا على كل العلوم، وخصوصا في عصر ثورة المعلومات والمحطات الفضائية وغزو الكومبيوتر للمنازل ولكافة ميادين الحياة، حتى قيل إن من ليس له خبرة بالكومبيوتر سيعّد أمياً مع حلول عام 2000م.
إن أمية القراءة والكتابة ينبغي أن تحدد لا أن تطلق، فرب امرئ لا يعرف القراءة والكتابة وهو عالم نحرير؛ إن قائمة العلماء والشعراء البصيرين طويلة وكلنا يعلم أن البصير لم يتمكن من القراءة والكتابة إلا في العصر الحديث، فهل يمكن أن نقول إن المعري وبشار أميان؟ أم هل يمكن أن نقول إن العالم المجتهد الطبيب أمياً، لأنه لا يقرأ ولا يكتب بسبب كونه بصيرا؟ إن هذا لأمر عسير.
نعم ينبغي أن نقيد أمية القراءة والكتابة بـ (أمية الحرف) حتى نتمكن من التفريق بين من لا يستطيع القراءة والكتابة لأي سبب حتى ولو كان عدم التعلم، وبين من لا علم لديه سوى رسم ذلك الحرف، وكلنا يعلم كم يجني أولئك الذين لا يتقنون سوى رسم الحروف على العلوم بأخطائهم التي لا تغتفر في عملهم على نسخ علوم من يكتب ومن لا يكتب. كما إنه كم من عالم قيل بأن خطه (هيروغليفي تشبيها) لا يستطيع إلا المقربون قراءته، فهل يمكن عد أمثال هؤلاء بين من يكتب؟
هنالك فرق شاسع بين أمية الحرف وأمية الفكر، كما أن هناك شك في مصداقية إطلاق اصطلاح الأمية على حملة الفكر حتى لو لم يفكوا الحرف قراءة وكتابة.
إن مصادر تلقي العلم عديدة، واحدة منها القراءة، كما إن مصادر تقديم المعرفة عديدة واحدة منها الكتابة، وبالتالي فإن بإمكان المرء أن يتلقى المعرفة بوسائل غير القراءة وأن يقدمها بوسائل غير الكتابة.
وفي مجتمعنا بالذات، حيث كانت تنتشر أمية الحرف لا سيما في عصور التجهيل والتتريك واضطرار معظم الناس إلى اللهاث وراء لقمة العيش بما لا يدع مجالا للتلقي، والكل بحاجة إلى السواعد المنتجة كي تدر لقمة تعيش تسد رمق جائع، في هذا الوقت لم يكن مجتمعنا بعيدا عن مصادر المعرفة، حيث كانت المنابر الحسينية موئلا للجميع ومنهلا للمعرفة يروي العالم والجاهل والكبير والصغير.
كانت المنابر مصدرا للإلهام، ومنبعا للعواطف؛ وكان التاريخ بقصصه وعبره، وكان الشعر والأدب، والحكمة، والفقه، جميعا يتلى من على أعواد المنابر.
كان المنبر وسيلة الإعلام التي تصل إلى جميع طبقات الناس عالمهم وجاهلهم، وكان كل يغترف منها بحسب ذوقه واستيعابه.
ومن هنا كانت المعرفة والأدب منتشران بين الناس، فلا غرابة أن تجد أميا يروي لك الشعر والتاريخ، أو أن يتحول من مجرد راو للشعر إلى منشئ له ومبدع، إذ لا بد للبيئة من أثر على من يعيش فيها إذا كان حسن التلقي والرغبة.
وما الهدف من الموضوع- إلا التأكيد على أن مجتمعنا لم يكن أميا فكريا وإن انتشرت فيه أمية الحرف، بينما نحن الآن في عصر يجب أن نتنبه إلى ضرورة تجاوز أمية الفكر في عصر يتجه فيه العالم إلى تحجيم الكرة الأرضية إلى قرية بوسائل الاتصال التي يجب أن ننتفع بها وأن نكون في موضع العطاء وليس الاستهلاك فقط.
أخوكم
الآميه ماذا تعنى
قال الفيروزآبادي: الأمي: من لا يكتب، أو من على خلقة الأمة لم يتعلم الكتاب، وهو باق على جبلته.
وقال أبو إسحاق: الأمي المنسوب إلى ما عليه جبلته أمه، أي لا يكتب.
وفي الأثر: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب؛ أي إنهم على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب، فهم على جبلتهم الأولى.
وقيل للعرب الأميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة أو عديمة1.
وقيل الأمية الغفلة والجهالة، فالأمي منه، وذلك هو قلة المعرفة2، وقيلت أقوال أخرى ومنها الجلف الجافي، إلا إن أشهرها عدم القدرة على القراءة والكتابة.
هذا ما اصطلح عليه في مفهوم الأمية عند العرب، ويقابله في الإنجليزية مصطلح Illiterate ، والذي يحمل معان أوسع مما هو عليه في العربية: الذي ليس له حظ من التعليم أو كان له حظ قليل منه، وخصوصا عدم القدرة على القراءة والكتابة؛ الافتقار إلى اللغة والأدب؛ مخالفة قواعد الحديث والكتابة المتعارفة؛ عدم الاطلاع على أساسيات علم معين3.
ولعل هذه التعريفات تجعلنا نعيد النظر في حقيقة هذا المصطلح، وحقيقة أن الأمية أمر نسبي، وأن هناك أميون وأشباه أميين، ولعله لا يخلو أحدنا من الأمية وخصوصا بالمعنى الأخير، إذ لا يمكن أن يكون المرء مطلعا على كل العلوم، وخصوصا في عصر ثورة المعلومات والمحطات الفضائية وغزو الكومبيوتر للمنازل ولكافة ميادين الحياة، حتى قيل إن من ليس له خبرة بالكومبيوتر سيعّد أمياً مع حلول عام 2000م.
إن أمية القراءة والكتابة ينبغي أن تحدد لا أن تطلق، فرب امرئ لا يعرف القراءة والكتابة وهو عالم نحرير؛ إن قائمة العلماء والشعراء البصيرين طويلة وكلنا يعلم أن البصير لم يتمكن من القراءة والكتابة إلا في العصر الحديث، فهل يمكن أن نقول إن المعري وبشار أميان؟ أم هل يمكن أن نقول إن العالم المجتهد الطبيب أمياً، لأنه لا يقرأ ولا يكتب بسبب كونه بصيرا؟ إن هذا لأمر عسير.
نعم ينبغي أن نقيد أمية القراءة والكتابة بـ (أمية الحرف) حتى نتمكن من التفريق بين من لا يستطيع القراءة والكتابة لأي سبب حتى ولو كان عدم التعلم، وبين من لا علم لديه سوى رسم ذلك الحرف، وكلنا يعلم كم يجني أولئك الذين لا يتقنون سوى رسم الحروف على العلوم بأخطائهم التي لا تغتفر في عملهم على نسخ علوم من يكتب ومن لا يكتب. كما إنه كم من عالم قيل بأن خطه (هيروغليفي تشبيها) لا يستطيع إلا المقربون قراءته، فهل يمكن عد أمثال هؤلاء بين من يكتب؟
هنالك فرق شاسع بين أمية الحرف وأمية الفكر، كما أن هناك شك في مصداقية إطلاق اصطلاح الأمية على حملة الفكر حتى لو لم يفكوا الحرف قراءة وكتابة.
إن مصادر تلقي العلم عديدة، واحدة منها القراءة، كما إن مصادر تقديم المعرفة عديدة واحدة منها الكتابة، وبالتالي فإن بإمكان المرء أن يتلقى المعرفة بوسائل غير القراءة وأن يقدمها بوسائل غير الكتابة.
وفي مجتمعنا بالذات، حيث كانت تنتشر أمية الحرف لا سيما في عصور التجهيل والتتريك واضطرار معظم الناس إلى اللهاث وراء لقمة العيش بما لا يدع مجالا للتلقي، والكل بحاجة إلى السواعد المنتجة كي تدر لقمة تعيش تسد رمق جائع، في هذا الوقت لم يكن مجتمعنا بعيدا عن مصادر المعرفة، حيث كانت المنابر الحسينية موئلا للجميع ومنهلا للمعرفة يروي العالم والجاهل والكبير والصغير.
كانت المنابر مصدرا للإلهام، ومنبعا للعواطف؛ وكان التاريخ بقصصه وعبره، وكان الشعر والأدب، والحكمة، والفقه، جميعا يتلى من على أعواد المنابر.
كان المنبر وسيلة الإعلام التي تصل إلى جميع طبقات الناس عالمهم وجاهلهم، وكان كل يغترف منها بحسب ذوقه واستيعابه.
ومن هنا كانت المعرفة والأدب منتشران بين الناس، فلا غرابة أن تجد أميا يروي لك الشعر والتاريخ، أو أن يتحول من مجرد راو للشعر إلى منشئ له ومبدع، إذ لا بد للبيئة من أثر على من يعيش فيها إذا كان حسن التلقي والرغبة.
وما الهدف من الموضوع- إلا التأكيد على أن مجتمعنا لم يكن أميا فكريا وإن انتشرت فيه أمية الحرف، بينما نحن الآن في عصر يجب أن نتنبه إلى ضرورة تجاوز أمية الفكر في عصر يتجه فيه العالم إلى تحجيم الكرة الأرضية إلى قرية بوسائل الاتصال التي يجب أن ننتفع بها وأن نكون في موضع العطاء وليس الاستهلاك فقط.
أخوكم