حلم *و* أمل
04-12-2005, 04:13 AM
الشيخ شرفي ابو ساق .. الشيخ جابر ابو ساق..
سجين يدفع ثمن رفض الانصياع
عكاظ /اعداد - عبد الله آل هتيلة
الحديث عن رجال نجران ووجوهها بدءا بلافي الجرهمي ـ اول من استقضي اليه ـ مرورا بحكيم العرب قس بن ساعدة الايادي والقائد جرير بن عبدالله البجلي ـ يوسف هذه الامة ـ وانتهاء بزيد بن الحارث اليامي راوي الحديث الثقة الزاهد وطلحة بن مصرف اليامي احد اقطاب الدولة الصليحية والمؤرخ الكبير بدر الدين بن محمد بن هاشم اليامي وغيرهم كثيرون حديث طويل يتشعب ويصعب علينا الالمام بأطرافه وحواشيه.. وقد برز منهم على مر العصور والازمان رجال أفذاذ كانت حياتهم زاخرة بالعطاء والمواقف تمثل نقاط تحول وعلامات بارزة في حياة النجرانيين بكل ما عرف عنهم من نسب رفيع وشجاعة وقوة وشكيمة ونبل وفروسية.
وهذه الحلقات عن حياة الشيخ شرفي بن جابر ابو ساق شيخ شمل قبائل آل فاطمة يام بمنطقة نجران يرحمه الله والذي تولى المشيخة في الخمسين من عمره بعد والده الشيخ جابر في العام 1386هـ.
لكن.. وقبل ان نخوض في سيرة حياة الشيخ شرفي.. كان لابد من التطرق اولا الى حياة والده الشيخ جابر لارتباطه الشديد بحياة والده ولنتعرف عن كثب على المدرسة التي تخرج منها وأثرت في شخصيته تأثيراً مباشراً.
حكمة أبو ساق
وعند الحديث عن أهم حدث تاريخي عاشته المنطقة في العصر الحديث الا وهو انضواؤها ودخولها تحت حكم الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه باعتباره نقطة التحول في تاريخ هذه المنطقة التي كانت مثل الكثير من أنحاء جزيرة العرب التي توقفت فيها عجلة التنمية وكانت تكثر فيها الغزوات وتفتقر إلى كثير من مقومات الحياة الهانئة حين تبدل ذلك الخوف أمناً وشظف العيش رغداً في العهد السعودي الزاهر سرعان ما تستحضر ذاكرة التاريخ رجلاً من رجالات المنطقة كان له بحكمته وبعد نظره دور محوري في دخول المنطقة للحكم السعودي فكما قيض الله الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه ليوحد هذا الكيان العظيم ويسطر أروع ملحمة للتوحيد في التاريخ المعاصر , قيض الله لنجران واحداً من أبنائها الذين بادروا إلى شرف الانتماء لهذه المملكة العظيمة التي أرسى قواعدها الباني الموحد الإمام عبدالعزيز طيب الله ثراه.
عناده لإمام اليمن
أصبح لا يصح الحديث عن حسم الصراع على نجران بعد أن وصل الأمر بين الإمامين إلى وضع حرج رغب فيه الملك عبدالعزيز حقن الدماء بينما أراد امام اليمن أن يحتل نجران وتسفك جنوده فيها الدماء وتقطع الأشجار وتروع الصغار.
لا يصح الحديث عن قصة دخول نجران للحكم السعودي دون أن ينسب الفضل لله أولاً ثم لشخصية بارزة من شخصيات يام وقطب من أقطابها لعب الدور الرئيسي في اتصالاته مع الرياض لتصبح نجران حبة الماس الجنوبية المضيئة في عقد توحيد المملكة.
وذلك حين أصر الشيخ جابر أبو ساق والد الشيخ شرفي بنظرته الثاقبة أن يجدف عكس التيار ويتخذ موقفاً مناوئاً ومغايراً فلا يقر ولايعترف بحال بات للكثيرين تحصيل حاصل وأمرا واقعا وهو يرنو ببصره إلى البعيد يرجو فرج الله ثم ما يطمح إليه من أمن وأمان لمستقبل منطقته ليحقق لها امتدادها التاريخي والجغرافي مع نجد والحجاز كما كانت طيلة القرون الماضية.
أبو ساق.. المعروف بالشيخ جابر بن حسين أبو ساق شيخ شمل قبائل آل فاطمة ''يام'' وهي إحدى البطون الكبيرة لقبيلة يام التي تتفرع في الاصل إلى ثلاث قبائل هي (آل فاطمة, مواجد, جشم).
ولد الشيخ في قرية صاغر بمنطقة نجران في آخر جمعة من شهر المحرم من العام الهجري 1286هـ وحفظ القرآن الكريم في صغره كما بدت عليه امارات الفصاحة وقوة المنطق وقد تعلم القراءة والكتابة وعلوم القرآن الكريم في مدارس الكتاتيب المحلية التي اشتهرت بها منطقة نجران وتوارثتها منذ فجر الإسلام حيث ساهمت خيرات المنطقة في استمرارها.
تسمية أبوساق
كان جابر أبو ساق فارع القامة حسن المنظر اشتهر بـ (أبو ساق) وهو اللقب الذي أطلقه عليه الملك عبدالعزيز وكان الرحالة والجغرافي البريطاني جون فليبي الذي أرسله الملك عبدالعزيز إلى نجران قد ذكر في كتابه (النجود العربية) حين قابله في نجران بعد انضمام نجران إلى حكم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود: جابر كانت له كنية خاصة به وكانت تلك الكنية بسبب مرض في ساقه كان يشكو منه منذ الصغر وحين سأله الملك عبدالعزيز ذات مرة عن السبب الذي يجعل إمام اليمن في مراسلاته يكنيه (بأبو رجل) فكشف جابر أبو ساق للملك عن ساقه فقال الملك (لا بل أنت أبو ساق) وهكذا حمل اللقب واشتهر به.
وقد نشأ في أسرة تسنمت زعامة قبلية ضاربة في أعماق التاريخ وكان من أبرز مشايخ يام وشخصياتها على مر الزمن ومنذ وقت مبكر من حياته وحتى قبل انتقال والده إلى جوار ربه كان الشيخ جابر أبو ساق قد تكونت شخصيته واهتماماته بشؤون قبيلته وأهل منطقته فشارك في أهم الاحداث المحلية بشكل فاعل ومؤثر وكان يؤلمه ما يحدث داخل نجران وعلى أطرافها قبل حكم الملك عبدالعزيز من فوضى أمنية وتناحر واقتتال فكان مبادراً إلى الاستجابة لدعوة الملك عبدالعزيز لتوحيد أطراف الجزيرة العربية التي أخذت تنتشر في أرجاء جزيرة العرب لإعادة توحيد أرض المملكة طبقاً لحدودها الراهنة وقد سعى جابر أبو ساق نحو ذلك الهدف بكل ما يسرالله له فكان بحق واحداً من أولئك الأوائل المخلصين لهذه البلاد وموحدها الملك عبد العزيز طيب الله ثراه وقد استشعر إمام اليمن بذلك الاهتمام المبكر لجابر أبو ساق وعندما لم يتمكن من استمالته إلى جانبه بشتى الوسائل مثلما لم ينجح الأتراك العثمانيون من قبله رغم الهدايا والنياشين التي حاولوا اغراءه بها استدرجه إمام اليمن حينئذ حتى أوقع به في السجن بمدينة صنعاء حيث أمضى في السجن فترة تزيد على السبع سنوات ولكن معارضة الشيخ جابر أبو ساق للإمام يحيى واتخاذه موقفاً مغايراً لمواقف أناسٍ آخرين لم يمنع امام اليمن من احترامه وتقديره له فيما بعد لثباته على رأيه.
والياميون لا زالوا يذكرون قصة الرجلين اللذين ذهبا يبيعان الهجن في سوق تعز عندما وصل للإمام أن في السوق هجنا غريبة وأمر باحضارها مع صاحبيها ولما عرف أنهما من جماعة الشيخ جابر أبو ساق قال لهما: تقديراً لشيخكما أبو ساق لأنه لم يخادعنا ويقبل هدايانا أنتما أحرار وإبلكما تحت طلبكما.
العلاقة مع آل سعود
وكانت لأسرة جابر أبو ساق علاقات مبكرة مع آل سعود منذ الدولة السعودية الأولى وسجلت الوثائق الوطنية عدداً من المراسلات التي تبرز كيف أن الدولة السعودية في عهدها المبكر وصلت إلى أقصى جنوب الجزيرة العربية واهتم جابر أبو ساق بالحفاظ على روابط وعلاقات أجداده وتنميتها.
وعندما حاول إمام اليمن يحيى بن حميد الدين ضم نجران إلى مملكته مخالفاً عهوده مع الملك عبدالعزيز قام جابر أبو ساق بتزعم قبيلة يام وأهالي نجران ضد قوات جيش الإمام التي غزت نجران تحرق النخيل وتدمر القصور وترعب الأهالي بالقتل والتشريد واستنجد الشيخ جابر أبو ساق بالملك عبدالعزيز مطالباً بأن تنضم نجران إلى حكمه لتنعم بالأمن والاستقرار الذي نشره الملك عبدالعزيز في ربوع بلاده فأرسل ابنه فيصلا على رأس جيش يطوق نجران من الغرب وابنه سعودا على رأس جيش يتجه إلى نجران من الداخل وقد كان جابر أبو ساق على رأس طلائع حملة الأمير سعود وكانت هناك قوة أخرى بقيادة فيصل بن سعد تنطلق من ناحية ظهران الجنوب وبعد فرار جيش الإمام من نجران وانهزامه دخل الأمير سعود بن عبدالعزيز إلى نجران فبايعه أهلها وكان أهالي نجران ولا يزالون يؤرخون ويتذكرون أفضل أحداثهم بتلك السنة التي جاءهم فيها سعود بن عبد العزيز ليعلن انضمامهم الى حكم ابن سعود ويسدل الستار على حقبة من التاريخ (فسنة جانا سعود) و(زمان جانا سعود) و(يوم جانا سعود) كلها عبارات تذكرهم بحدث لا ينسى في حياتهم ولا يزال الأبناء والأحفاد يعرفون ذلك جيدا ويتناقلونه ويعرفون أهمية ذلك الحدث في تاريخ نجران.
وأرسل الملك عبدالعزيز برقية يطلب فيها إرسال جابر أبو ساق وكبار شيوخ يام إلى الرياض فأكرمهم الملك عبدالعزيز وأمر ببناء قصر للإمارة في نجران وكلف جابر أبو ساق بالإمارة فاعتذر عن الأمارة لأسباب شرحها للملك فعين الملك عبدالعزيز عساف بن حسين آل محفوظ ليكون أول أمير رسمي على نجران من قبل الملك عبدالعزيز وقد زاد موقف أبو ساق هذا من تقدير الملك عبدالعزيز له وعرف أنه يسعى لمصلحة وطنية وليس لمصلحة شخصية وكان الملك يأخذ برأيه عند تعيين الأمراء على منطقة نجران وكثيراً ما كان الشيخ جابر أبو ساق يسافر إلى الرياض للقاء الملك عبدالعزيز كما كان يلتقيه في موسم الحج في مكة المكرمة وكان أبو ساق يكلف أبناءه بالذهاب إلى الملك في كثير من الشؤون العامة حيث تبرز الوثائق أن ابنه الثاني علي بن جابر أبو ساق قد قابل الملك لأكثر من مرة في هذا الشأن.
وكان جابر أبو ساق قبل توحيد المملكة قد أبدى صلابة شديدة في مقاومة الرأي القائل بالاستعانة بالوجود البريطاني المجاور في عدن ومحميات الجنوب العربي حتى لا تقع نجران داخل دائرة نفوذهم الاستعماري كما أبدى جابر أبو ساق نفس التوجه ضد الأطماع التركية رغم ما بذلوه معه من إغراءات كثيرة.
وبعد انضمام مناطق نجران واهلها من قبائل يام وغيرها إلى حكم الملك عبدالعزيز وكان الجغرافي البريطاني جون فليبي قد زار نجران وقابل الكثير من الأهالي وقال في كتابه (النجود العربية) عن جابر أبو ساق انه كان قد فرض هيمنته وسيطرته في ما يبدو على كل (يام) وبالتالي أصبح أهم فرد في نجران في ذلك الوقت وفي حين كانت نجران مثل غيرها من أطراف المملكة المترامية تبعد عن مركز الحكم بأكثر من ألف كيلو متر وكانت الاتصالات ووسائل المواصلات شبه معدومة فإن الملك عبدالعزيز لم يكن يعتمد في حكمه على القوة المسلحة أو الانتشار العسكري بقدر ما كان ذلك الارتباط الوثيق الناتج عن تأثير شخصية الملك عبدالعزيز في الآخرين من الرجال المخلصين وجعلهم يدركون أهمية توحيد تراب المملكة وبناء مستقبلها فكانت رؤية الملك وعدالته سبباً قوياً جعل الآخرين يخلصون لها ويجعلونها أيضاً قضيتهم في ولاء مطلق للملك ومن أولئك الرجال الذين وقفوا مع الملك عبدالعزيز في وقت مبكر من تأسيس هذه البلاد كان جابر أبو ساق في جنوب المملكة خير سند لرجال الدولة ومناصيب الملك عبدالعزيز من الأمراء وقد سجلت الوثائق الوطنية مراسلات جابر أبو ساق واهتمامه وتقديمه النصح والمشورة فيما يصلح للبلاد والعباد وعرف عنه فيما تناقلته الناس وورثه عنه أبناؤه أنه يكن حبا واحتراما كبيرا ووفاء مشهودا للملك عبد العزيز ومقتنع بثبات مطلق أن الملك عبد العزيز هو الحل والأمل المطلق بعون الله لإنهاء حقبة طويلة من عدم الاستقرار وسوء الأحوال في جزيرة العرب وكان الشيخ أبو ساق يقابل نفس الود والتقدير من شخص الملك عبد العزيز حين يزوره في الرياض أو الحجاز أو يبعث لجلالته في أي شأن أو طلب.
سجين يدفع ثمن رفض الانصياع
عكاظ /اعداد - عبد الله آل هتيلة
الحديث عن رجال نجران ووجوهها بدءا بلافي الجرهمي ـ اول من استقضي اليه ـ مرورا بحكيم العرب قس بن ساعدة الايادي والقائد جرير بن عبدالله البجلي ـ يوسف هذه الامة ـ وانتهاء بزيد بن الحارث اليامي راوي الحديث الثقة الزاهد وطلحة بن مصرف اليامي احد اقطاب الدولة الصليحية والمؤرخ الكبير بدر الدين بن محمد بن هاشم اليامي وغيرهم كثيرون حديث طويل يتشعب ويصعب علينا الالمام بأطرافه وحواشيه.. وقد برز منهم على مر العصور والازمان رجال أفذاذ كانت حياتهم زاخرة بالعطاء والمواقف تمثل نقاط تحول وعلامات بارزة في حياة النجرانيين بكل ما عرف عنهم من نسب رفيع وشجاعة وقوة وشكيمة ونبل وفروسية.
وهذه الحلقات عن حياة الشيخ شرفي بن جابر ابو ساق شيخ شمل قبائل آل فاطمة يام بمنطقة نجران يرحمه الله والذي تولى المشيخة في الخمسين من عمره بعد والده الشيخ جابر في العام 1386هـ.
لكن.. وقبل ان نخوض في سيرة حياة الشيخ شرفي.. كان لابد من التطرق اولا الى حياة والده الشيخ جابر لارتباطه الشديد بحياة والده ولنتعرف عن كثب على المدرسة التي تخرج منها وأثرت في شخصيته تأثيراً مباشراً.
حكمة أبو ساق
وعند الحديث عن أهم حدث تاريخي عاشته المنطقة في العصر الحديث الا وهو انضواؤها ودخولها تحت حكم الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه باعتباره نقطة التحول في تاريخ هذه المنطقة التي كانت مثل الكثير من أنحاء جزيرة العرب التي توقفت فيها عجلة التنمية وكانت تكثر فيها الغزوات وتفتقر إلى كثير من مقومات الحياة الهانئة حين تبدل ذلك الخوف أمناً وشظف العيش رغداً في العهد السعودي الزاهر سرعان ما تستحضر ذاكرة التاريخ رجلاً من رجالات المنطقة كان له بحكمته وبعد نظره دور محوري في دخول المنطقة للحكم السعودي فكما قيض الله الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه ليوحد هذا الكيان العظيم ويسطر أروع ملحمة للتوحيد في التاريخ المعاصر , قيض الله لنجران واحداً من أبنائها الذين بادروا إلى شرف الانتماء لهذه المملكة العظيمة التي أرسى قواعدها الباني الموحد الإمام عبدالعزيز طيب الله ثراه.
عناده لإمام اليمن
أصبح لا يصح الحديث عن حسم الصراع على نجران بعد أن وصل الأمر بين الإمامين إلى وضع حرج رغب فيه الملك عبدالعزيز حقن الدماء بينما أراد امام اليمن أن يحتل نجران وتسفك جنوده فيها الدماء وتقطع الأشجار وتروع الصغار.
لا يصح الحديث عن قصة دخول نجران للحكم السعودي دون أن ينسب الفضل لله أولاً ثم لشخصية بارزة من شخصيات يام وقطب من أقطابها لعب الدور الرئيسي في اتصالاته مع الرياض لتصبح نجران حبة الماس الجنوبية المضيئة في عقد توحيد المملكة.
وذلك حين أصر الشيخ جابر أبو ساق والد الشيخ شرفي بنظرته الثاقبة أن يجدف عكس التيار ويتخذ موقفاً مناوئاً ومغايراً فلا يقر ولايعترف بحال بات للكثيرين تحصيل حاصل وأمرا واقعا وهو يرنو ببصره إلى البعيد يرجو فرج الله ثم ما يطمح إليه من أمن وأمان لمستقبل منطقته ليحقق لها امتدادها التاريخي والجغرافي مع نجد والحجاز كما كانت طيلة القرون الماضية.
أبو ساق.. المعروف بالشيخ جابر بن حسين أبو ساق شيخ شمل قبائل آل فاطمة ''يام'' وهي إحدى البطون الكبيرة لقبيلة يام التي تتفرع في الاصل إلى ثلاث قبائل هي (آل فاطمة, مواجد, جشم).
ولد الشيخ في قرية صاغر بمنطقة نجران في آخر جمعة من شهر المحرم من العام الهجري 1286هـ وحفظ القرآن الكريم في صغره كما بدت عليه امارات الفصاحة وقوة المنطق وقد تعلم القراءة والكتابة وعلوم القرآن الكريم في مدارس الكتاتيب المحلية التي اشتهرت بها منطقة نجران وتوارثتها منذ فجر الإسلام حيث ساهمت خيرات المنطقة في استمرارها.
تسمية أبوساق
كان جابر أبو ساق فارع القامة حسن المنظر اشتهر بـ (أبو ساق) وهو اللقب الذي أطلقه عليه الملك عبدالعزيز وكان الرحالة والجغرافي البريطاني جون فليبي الذي أرسله الملك عبدالعزيز إلى نجران قد ذكر في كتابه (النجود العربية) حين قابله في نجران بعد انضمام نجران إلى حكم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود: جابر كانت له كنية خاصة به وكانت تلك الكنية بسبب مرض في ساقه كان يشكو منه منذ الصغر وحين سأله الملك عبدالعزيز ذات مرة عن السبب الذي يجعل إمام اليمن في مراسلاته يكنيه (بأبو رجل) فكشف جابر أبو ساق للملك عن ساقه فقال الملك (لا بل أنت أبو ساق) وهكذا حمل اللقب واشتهر به.
وقد نشأ في أسرة تسنمت زعامة قبلية ضاربة في أعماق التاريخ وكان من أبرز مشايخ يام وشخصياتها على مر الزمن ومنذ وقت مبكر من حياته وحتى قبل انتقال والده إلى جوار ربه كان الشيخ جابر أبو ساق قد تكونت شخصيته واهتماماته بشؤون قبيلته وأهل منطقته فشارك في أهم الاحداث المحلية بشكل فاعل ومؤثر وكان يؤلمه ما يحدث داخل نجران وعلى أطرافها قبل حكم الملك عبدالعزيز من فوضى أمنية وتناحر واقتتال فكان مبادراً إلى الاستجابة لدعوة الملك عبدالعزيز لتوحيد أطراف الجزيرة العربية التي أخذت تنتشر في أرجاء جزيرة العرب لإعادة توحيد أرض المملكة طبقاً لحدودها الراهنة وقد سعى جابر أبو ساق نحو ذلك الهدف بكل ما يسرالله له فكان بحق واحداً من أولئك الأوائل المخلصين لهذه البلاد وموحدها الملك عبد العزيز طيب الله ثراه وقد استشعر إمام اليمن بذلك الاهتمام المبكر لجابر أبو ساق وعندما لم يتمكن من استمالته إلى جانبه بشتى الوسائل مثلما لم ينجح الأتراك العثمانيون من قبله رغم الهدايا والنياشين التي حاولوا اغراءه بها استدرجه إمام اليمن حينئذ حتى أوقع به في السجن بمدينة صنعاء حيث أمضى في السجن فترة تزيد على السبع سنوات ولكن معارضة الشيخ جابر أبو ساق للإمام يحيى واتخاذه موقفاً مغايراً لمواقف أناسٍ آخرين لم يمنع امام اليمن من احترامه وتقديره له فيما بعد لثباته على رأيه.
والياميون لا زالوا يذكرون قصة الرجلين اللذين ذهبا يبيعان الهجن في سوق تعز عندما وصل للإمام أن في السوق هجنا غريبة وأمر باحضارها مع صاحبيها ولما عرف أنهما من جماعة الشيخ جابر أبو ساق قال لهما: تقديراً لشيخكما أبو ساق لأنه لم يخادعنا ويقبل هدايانا أنتما أحرار وإبلكما تحت طلبكما.
العلاقة مع آل سعود
وكانت لأسرة جابر أبو ساق علاقات مبكرة مع آل سعود منذ الدولة السعودية الأولى وسجلت الوثائق الوطنية عدداً من المراسلات التي تبرز كيف أن الدولة السعودية في عهدها المبكر وصلت إلى أقصى جنوب الجزيرة العربية واهتم جابر أبو ساق بالحفاظ على روابط وعلاقات أجداده وتنميتها.
وعندما حاول إمام اليمن يحيى بن حميد الدين ضم نجران إلى مملكته مخالفاً عهوده مع الملك عبدالعزيز قام جابر أبو ساق بتزعم قبيلة يام وأهالي نجران ضد قوات جيش الإمام التي غزت نجران تحرق النخيل وتدمر القصور وترعب الأهالي بالقتل والتشريد واستنجد الشيخ جابر أبو ساق بالملك عبدالعزيز مطالباً بأن تنضم نجران إلى حكمه لتنعم بالأمن والاستقرار الذي نشره الملك عبدالعزيز في ربوع بلاده فأرسل ابنه فيصلا على رأس جيش يطوق نجران من الغرب وابنه سعودا على رأس جيش يتجه إلى نجران من الداخل وقد كان جابر أبو ساق على رأس طلائع حملة الأمير سعود وكانت هناك قوة أخرى بقيادة فيصل بن سعد تنطلق من ناحية ظهران الجنوب وبعد فرار جيش الإمام من نجران وانهزامه دخل الأمير سعود بن عبدالعزيز إلى نجران فبايعه أهلها وكان أهالي نجران ولا يزالون يؤرخون ويتذكرون أفضل أحداثهم بتلك السنة التي جاءهم فيها سعود بن عبد العزيز ليعلن انضمامهم الى حكم ابن سعود ويسدل الستار على حقبة من التاريخ (فسنة جانا سعود) و(زمان جانا سعود) و(يوم جانا سعود) كلها عبارات تذكرهم بحدث لا ينسى في حياتهم ولا يزال الأبناء والأحفاد يعرفون ذلك جيدا ويتناقلونه ويعرفون أهمية ذلك الحدث في تاريخ نجران.
وأرسل الملك عبدالعزيز برقية يطلب فيها إرسال جابر أبو ساق وكبار شيوخ يام إلى الرياض فأكرمهم الملك عبدالعزيز وأمر ببناء قصر للإمارة في نجران وكلف جابر أبو ساق بالإمارة فاعتذر عن الأمارة لأسباب شرحها للملك فعين الملك عبدالعزيز عساف بن حسين آل محفوظ ليكون أول أمير رسمي على نجران من قبل الملك عبدالعزيز وقد زاد موقف أبو ساق هذا من تقدير الملك عبدالعزيز له وعرف أنه يسعى لمصلحة وطنية وليس لمصلحة شخصية وكان الملك يأخذ برأيه عند تعيين الأمراء على منطقة نجران وكثيراً ما كان الشيخ جابر أبو ساق يسافر إلى الرياض للقاء الملك عبدالعزيز كما كان يلتقيه في موسم الحج في مكة المكرمة وكان أبو ساق يكلف أبناءه بالذهاب إلى الملك في كثير من الشؤون العامة حيث تبرز الوثائق أن ابنه الثاني علي بن جابر أبو ساق قد قابل الملك لأكثر من مرة في هذا الشأن.
وكان جابر أبو ساق قبل توحيد المملكة قد أبدى صلابة شديدة في مقاومة الرأي القائل بالاستعانة بالوجود البريطاني المجاور في عدن ومحميات الجنوب العربي حتى لا تقع نجران داخل دائرة نفوذهم الاستعماري كما أبدى جابر أبو ساق نفس التوجه ضد الأطماع التركية رغم ما بذلوه معه من إغراءات كثيرة.
وبعد انضمام مناطق نجران واهلها من قبائل يام وغيرها إلى حكم الملك عبدالعزيز وكان الجغرافي البريطاني جون فليبي قد زار نجران وقابل الكثير من الأهالي وقال في كتابه (النجود العربية) عن جابر أبو ساق انه كان قد فرض هيمنته وسيطرته في ما يبدو على كل (يام) وبالتالي أصبح أهم فرد في نجران في ذلك الوقت وفي حين كانت نجران مثل غيرها من أطراف المملكة المترامية تبعد عن مركز الحكم بأكثر من ألف كيلو متر وكانت الاتصالات ووسائل المواصلات شبه معدومة فإن الملك عبدالعزيز لم يكن يعتمد في حكمه على القوة المسلحة أو الانتشار العسكري بقدر ما كان ذلك الارتباط الوثيق الناتج عن تأثير شخصية الملك عبدالعزيز في الآخرين من الرجال المخلصين وجعلهم يدركون أهمية توحيد تراب المملكة وبناء مستقبلها فكانت رؤية الملك وعدالته سبباً قوياً جعل الآخرين يخلصون لها ويجعلونها أيضاً قضيتهم في ولاء مطلق للملك ومن أولئك الرجال الذين وقفوا مع الملك عبدالعزيز في وقت مبكر من تأسيس هذه البلاد كان جابر أبو ساق في جنوب المملكة خير سند لرجال الدولة ومناصيب الملك عبدالعزيز من الأمراء وقد سجلت الوثائق الوطنية مراسلات جابر أبو ساق واهتمامه وتقديمه النصح والمشورة فيما يصلح للبلاد والعباد وعرف عنه فيما تناقلته الناس وورثه عنه أبناؤه أنه يكن حبا واحتراما كبيرا ووفاء مشهودا للملك عبد العزيز ومقتنع بثبات مطلق أن الملك عبد العزيز هو الحل والأمل المطلق بعون الله لإنهاء حقبة طويلة من عدم الاستقرار وسوء الأحوال في جزيرة العرب وكان الشيخ أبو ساق يقابل نفس الود والتقدير من شخص الملك عبد العزيز حين يزوره في الرياض أو الحجاز أو يبعث لجلالته في أي شأن أو طلب.