المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحــــــــــــــــــــــــــــريـــه


عكروشــان
11-12-2001, 01:52 PM
إذا كان عصر الساحات العامة والمنابر ـ عندما كان الاتصال مباشراً بين الأشخاص ـ قد تمخض عن إبراز ثمار الحضارة الإنسانية الحديثة وهو مفهوم حرية الرأي فإن ظهور الطباعة في القرن الخامس عشر ثم نشأة الصحافة كأول وسيلة مطبوعة للاتصال الجماهيري قد أسفر عن نشوء مفهوم حرية التعبير كنتيجة طبيعية لذلك وكجزء أصيل من تراث الثورات البورجوازية في أوروبا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وقد أظهرت التجارب التاريخية أن حرية التعبير ليست مجرد فلسفة مثالية إنما هي ممارسات واقعية تحكمها العوامل السياسية والمصالح الاقتصادية والسياقات السوسيوثقافية التي تختلف باختلاف العصور والمجتمعات. والواقع أن قضية حرية الرأي والتعبير تتشابك مع كافة القضايا المجتمعة الأخرى فهي لا ترتبط فقط بقضية الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي نصت عليها الدساتير العالمية والمحلية بل تنطوي على جانب أساسي يسبق هذه الحقوق ألا وهي الحقوق الطبيعية مثل حق الإنسان في الحياة وفي عدم تعرضه للعبودية والسخرة. ولذلك لا يمكن حصر حرية التعبير في إطار القيود القانونية التي يمكن في كل الأحوال مواجهتها والتصدي لها، ولكنها تضرب بجذورها في قضية الوعي التي تعد أكثر تعقيدًا وترتبط بعوامل عديدة مثل نمط الثقافة السائد ومنظومة القيم والنظام التربوي ومستوى التطور الاجتماعي والاقتصادي وطبيعة السلطة الحاكمة ففي ظل الانتشار المخيف للأمية والتي تصل إلى 75% في العالم العربي وانسحاق فئات اجتماعية ضخمة تحت خط الفقر وتآكل الطبقة الوسطى في ظل السياسات الاقتصادية التابعة للسوق العالمية علاوة على أزمة النخب المثقفة والتي تتمثل في حالة الانفصام المتنامي بينها وبين الطبقات الشعبية وبينها وبين تراث الأمة وتاريخها. كل ذلك يدعونا إلى النظر إلى حرية الرأي والتعبير من خلال رؤية أكثر شمولاً وعمقًا تضع في اعتبارها نوعية القيود وطبيعة الممارسات والتي تتمثل:
أولاً: في القيد الديني وهو القيد الفعال في الوقت الحاضر نتيجة بروز تيار قوي يعطي تفسيرًا محددًا لتراثنا ويريد أن يحتكر لنفسه الحق في تقديم مفهوم للإسلام والشريعة الإسلامية.
ثانيًا : القيد السياسي المتمثل في ترسانة القوانين التي تفرضها السلطة السياسية على حريات الرأي والتعبير وتجريم الرأي ومعاقبته مما يشل حركة وفاعلية المجتمع المدني بأحزابه وجمعياته ونقاباته ويؤثر بالسلب على الإبداع في كافة الميادين..
أما القيد الثالث : فهو القيد الاجتماعي الثقافي الذي يتمثل في عجز النخب السياسية والثقافية عن إدارة الحوار حول الخلافات الفكرية والسياسية. وعندما نتأمل الخريطة الراهنة للوطن العربي بكل ما يزخر به من تراث حضاري وثقافي وديني يتميز بالثراء والتنوع وبكل ما يتضمنه من تناقضات اجتماعية وصراعات سياسية وأيديولوجية تسطع أمامنا الحقيقة التي تشير إلى وجود تحالف غير معلن وغير مقدس يضم القوى السياسية الحاكمة والمؤسسات الدينية وجموع المثقفين حيث يسعون جميعًا نحو هدف واحد هو تقيد حرية الرأي من خلال التشريعات الوضعية والقيود الفقهية والسياسات الإعلامية ومناهج التعليم. أو تشويه حرية التعبير من خلال الممارسات الأحادية التي تلغي وجود الآخر ولا تحترم الاختلاف. فالواقع أنه رغم اختلاف الأحزاب السياسية والمنتديات الثقافية على صعيد الفكر الأيديولوجي إلا أنها تتشابه في عجزها عن إدارة الحوار حول الخلافات الفكرية والسياسية التي سرعان ما تتحول إلى حروب تشريعية واتهام بالعمالة والخيانة. وفي الجانب الآخر تمارس المؤسسات الدينية دورًا مساندًا يتمثل في تهميش حرية الفكر والتعبير بشدة ووضوح سواء لدى الاتجاه الإسلامي أو المسيحي. والفارق بينهما أن سلطة الكنيسة تقف عند حد شطب المخالفين لفكر البابا وطردهم من الكنيسة بينما تصل سلطة الأزهر إلى حد الفصل من الوظيفة ومصادرة الكتب.
وتبرز رقابة المؤسسات الدينية على حرية النشر باعتبارها أخطر هذه المظاهر إذ تضع المبدعين في حالة ترقب وخوف دائم. كما أنهم يظلون مهددين بالملاحقة مهما طال الزمن عند طرح كتبهم في الأسواق مما يحول بالفعل دون توفر شرط الحرية عند إنجاز أي عمل إبداعي ويقوم النظام التعليمي السائد في معظم الدول العربية بدور حاسم في ترويض العقول وتدريبها على الطاعة والخضوع من خلال الاعتماد على أسلوب التلقين الذي ينتج شخصيات سلبية مطيعة بحق وصفها بأنهم يملكون قلوبًا ولكنهم لا يفقهون بها وأن لهم آذاناً لا يسمعون بها ولهم أعين لا يبصرون بها حيث هم كالأنعام بل هم أضل. ويأتي الإعلام كي يكمل مهمة التعليم في القضاء على كل سمات الحيوية والإبداع في الشخصية العربية فهو في مجمله أحادي الاتجاه يمتزج بالإعلان والدعاية ويدين بالتبعية لمراكز النفوذ السياسية ودوائر السوق المحلية والعالمية ويضاف إلى ذلك المصادرة أو منع النشر وتقييده حيث تمثل تلك الأساسية أمام حرية التعبير وتؤدي إلى حالة الاغتراب التي تؤدي إلى قتل حرية الفكر والتعبير في المهد حتى لا يكون هناك رأي ناهيك عن التعبير عنه. ففي ظل تضاعف سطوة السوق وسيادة القيم الاستهلاكية وهيمنة قيمة الثروة، تتراجع قيمة الحرية والإبداع وتتوارى الرغبة في التفكير والتعبير وتسود اللامبالاة والغيبوبة الفكرية بسبب فاعلية الوعي الزائف الذي تروج له وسائل الإعلام.
لقد ترتب على سيادة الأوضاع المعادية للحرية والتي تسود في كافة أنحاء الوطن العربي بلا استثناء مع اختلاف الدرجات إلى بروز حقيقة أساسية هي حرمان الإنسان العربي بلا استثناء مع اختلاف الدرجات إلى بروز حقيقة أساسية هي حرمان الإنسان العربي من أغلب حقوقه الاجتماعية والسياسية والثقافية فهو محروم من المشاركة في صنع القرارات التي تمس وطنه ومصيره ومحروم أيضًا من حقه في إبداء الرأي والتعبير في قضايا وطنه وشؤون مجتمعه وهذا الحرمان لا يقتصر على إبداء الرأي فحسب بل يشمل حرمان المواطن العربي من المعلومات التي تتعلق بالقضايات الحاسمة في مسيرة بلاده مما لا يتيح له فرصة تكوين رأي سليم ومتكامل فهو لا يرى ولا يسمع إلا ما يسمح به النظام ولا يقرأ إلا ما تسمح به الرقابة ويتعرض بصورة منظمة لكافة أشكال القمع الفكري والثقافي محليًا من جانب الحكومات، وأجنبيًا من جانب الشركات العملاقة ووكالات الإعلان، ولا يستطيع المواطن العربي مقاومة هذا الطوفان من القهر المادي والمعنوي لأنه لم يتوصل به إلى خلق أدواته البديله التي تكفل له صيانة حقوقه في الوعي والمعرفة خصوصًا في ظل تخلي النخب المثقفة عن مسئولياتها الجماهيرية وانحصارها داخل دوائر مغلقة تتراوح بين الانكفاء على الذات أو اللهاث للحصول على رضى السلطة أو خدمة مصالح السادة الجدد من قراصنة السوق.
الدكتوره_عواطف عبدالرحمن