المرجوج
17-06-2005, 02:28 PM
محمد ثابت أديب ورحالة مصري، من العرب الذين طافوا بلدانا متعددة في الشرق والغرب، وربما كانت رحلته اليابانية سنة 1932 من أهم الرحلات العلمية والأدبية إلى تلك البلاد. كان يعلم في إحدى المدارس الثانوية بالقاهرة، ووافته المنية وهو يقوم بعمله سنة ،1958 كما يشير الزركلي إلى ذلك في “الأعلام”. كان يقضي معظم عطلاته الصيفية في الترحال، يشاهد ويتأمل ويدون صورا وصفية وأدبية رائعة عن مشاهداته، وقد ترك لنا آثارا قيمة في هذا اللون من الأدب الجغرافي. وقام بهذه الرحلة إلى إنجلترا، قادما من فرنسا عبر بحر المانش، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إثر انتصار الحلفاء على هتلر. وعنها يقول:
غادرنا باريس قاصدين لندن، عاصمة بلاد الإنجليز، وهي مشتقة من كلمة كلتيه معناها المناقع وعندما وصلنا ثغر ديب ركبنا باخرة كبيرة عبر المانش وهو بحر عظيم الاتساع وسواحله صخرية مشرمة في بياض تشوبه وتعلوه الخضرة، وبعد ثلاث ساعات رسونا على نيوهفن من ثغور إنجلترا، ومنها أخذنا القطار إلى لندن في ساعتين أما المناظر فعادية، مروج فسيحة مغضنة السطح تكسوها الخضرة وتتخللها الأشجار ولندن بدت في نظرنا أقل شأناً مما سمعناه عنها في حركتها، ومبانيها، وتنسيقها، ونظافتها. خرجنا إلى هيدبارك وطفنا به، فإذا هو متنزه فسيح جداً، ثم قصدنا شارع (بيكاديلي) قلب المدينة النابض وهو أيضاً عادي، وفي جولاتنا بالمدينة مررنا بشارع (فليت) مقر الجرائد الكبرى، ثم شارع (داوننج) وبه دور الحكومة، ولا بأس بفخامتها، ثم اخترقنا شارع (الدار البيضاء) وميدانها وميدان البرلمان، وبه دار النيابة ببرجيها الشاهقين تشرف على التايمز في عظمة وجلال، بجانبها كنيسة وستمنستر يواجهها تمثال كرمول، وإلى الجانب الآخر الشارع الملكي يؤدي إلى قصر بكنجهام، وهو صغير أمامه تمثال لذكرى فكتوريا، وعلى الجانبين متنزه سانت جيمز الجميل، ومن ميادين المدينة الممتازة (ترافالجار) يتوسطه تمثال نلسون الذي أقيم تذكاراً لانتصاره وموته سنة 1805 وتلك كانت نظرة عاجلة لأهم أعلام المدينة.
برج المساجين: وفي الصباح بادرنا بزيارة برج لندن: يرجع عهده إلى يوليوس قيصر، والراجح أنه من عهد وليم الفاتح (1078) وقد أضيفت إليه أجزاء فيما بعد، وهو مقام على التايمز، ومن حوله خندق متسع كأنه نهر صغير كان يملأ ماء من فتحة تتصل بالنهر عليها باب حديدي وسلم، وكان المسجونون والمحكوم عليهم بالإعدام يدخلون منه وهم الخونة إذ ذاك، ولذلك كتب عليه (باب الخونة) ومن بين من ماتوا فيه هنري السادس وإدوارد الخامس والسيدة جين جراي التي تولت العرش ثلاثة أيام فقط ثم استعادته ماري تيودر الوارثة الشرعية وقضت بإعدامها، وتعرض هناك بعض أدوات التعذيب والقتل التي تدل على مبلغ استبداد ملوك إنجلترا في ذاك العصر، وأفخر ما بها حجرة عرضت بها التيجان والصولجانات الملكية وهي مجموعة قيمة من الذهب المحلى بالجواهر الكبيرة مثل اليواقيت وقطع الماس في أحجام تبهر النظر، وهناك تعرض أكبر قطعة للماس في الدنيا وهي في شكلها الغفل ولم تقد بعد، وترى في مواجهة النهر مجموعة من المدافع القديمة التي غنمها الإنجليز من الهند والروس وسلطان عدن، وعلى بعضها كتابة عربية في خط جميل.
وبجانب البرج القنطرة المعلقة أقدم قناطر لندن من الحديد الضخم، وفي وسطها برجان شاهقان بينهما قنطرة سماوية، وسكان هذا الحي على جفاء في الطباع وخشونة في المعاملة، وهم كثيرو الجلبة، ولا يتورع الواحد منهم أن يتهكم على المارة وبخاصة الأجانب منهم بألفاظ نابية وهم يشيرون إليه في غير حياء كما حدث لنا.
البرلمان: وأول ما عنيت بزيارته مصدر الديمقراطية في العالم منبت أعرق دساتير الدنيا ألا وهو البرلمان الإنجليزي الفاخر ويشمل غرفة مجلس الأعيان (اللوردات) يؤدي إليها بهو وردهة أقيمت على جوانبها تماثيل الملوك والملكات، وصورت على جدرانها أعظم الحوادث التاريخية، من بينها موت نلسون، وواقعة ووترلو، وكذلك بعض حوادث البرلمان سالفاً، وفي سقفها من الزخارف بالذهب والفضة ما يحار فيه اللب، وإذا ما جرته دخلت الدار فإذا هي آية في الإبداع من نقوش جذابة إلى زخارف ثمينة إلى مقاعد وثيرة تكسوها الجلود الحمراء البراقة، وفي زواياه تماثيل لمن أرغموا الملك جون على إمضاء العهد الأعظم (ماجنا كارتا) دعامة الدستور الإنجليزي، وهم ثمانية وعشرون باروناً، والمكان حقاً يمثل عظمة الدولة البريطانية ولعله افخر ما يراه الإنسان في لندن كلها، أما مجلس النواب فجميل في بساطة لم يبالغ في نقشه، ولم يسرف في تنسيقه، تغطي مقاعده بالجلود الخضراء وعددها 476 مع أن مجموع الأعضاء 615 ولا يسمح لأحد بزيارته وقت انعقاده إلا بتذاكر خاصة عدا يوم السبت وهو يوم عطلة البرلمان حيث يسمح للجميع أن يدخلوه.
أكبر المتاحف: زرت المتحف البريطاني: وهو أكبر متاحف الدنيا، وبه من الآثار مجاميع قيمة لا تحصى جيء بها من جميع الدول حتى أمريكا وجزائر المحيط الهادئ والهند والمستعمرات كلها، وفي قسم الآثار القديمة جانب مصري في ست حجرات كبيرة أقيمت في هندسة مصرية قديمة وبعض أعمدتها وجدرانها من الصخور المصرية القديمة يلفت النظر من المعروضات المعدومة النظير في مصر: حجر رشيد وهو أسود كالإردواز سمكه نصف متر وهو الذي هدانا إلى فك الطلاسم المصرية لأنه منقوش بثلاث لغات الإغريقية والديموطيقية والهيروغليفية عثر عليه أحد ضباط الحملة الفرنسية، ثم تملكه الإنجليز عقب انتصارهم على الفرنسيين وحملوه إلى لندن، وقد توصلوا إلى فك رموزه اليونانية أولا فإذا بها شكر كتبه الكهنة إلى بطليموس، واستعانوا على تفهم الديموطيقي ثم الهيروغليفي الذي كان من المعميات من قبل، كذلك جعل (جعران) كبير يبلغ طوله المتر وهو أسود براق، ومن الأجسام المحنطة نحو الخمسين حفظت حفظاً تاماً في لفائفها من الكتان ربطت بالجلد ونقش على القماش بعض صور الموتى، وأهمها جثة مدفونة في قبر صخري ضخم، وقد أطبقت الرجلان إلى البطن، واليدان إلى الوجه وقلبت على وجهها، وكذلك شعر سيدة مستعار يلبس في الرأس في تجاعيد ذهبية تتدلى منها الخصل الدقيقة في شكل يحكي ما يعمله بعض الطبقات الراقي من نسائنا اليوم.
وفي الأقسام غير المصرية معروضات هندية وبرازيلية، وكذلك مخلفات من العصر الحديدي، والبرونزي، والحجري، وحجرة للجواهر، واثمن ما بها جرة بورتلند من زجاج أسمر، حفرت عليها التماثيل بحجر الماس بدقة فنية مدهشة وهي الوحيدة من نوعها في العالم عرض على صاحبها مليون من الجنيهات ثمناً فرفض بيعها وأهداها للمتحف، وبالإيجاز فالمتحف عالمي في معروضاته يتطلب في تفقده شهوراً ويتساءل المرء كيف أمكن لهؤلاء الجبابرة الحصول على تلك المجاميع القيمة الوفيرة.
متحف الفنون: ثم قصدنا معرض الفن الأهلي: وبه صور زيتية قديمة لفنانين من بينهم رفائيل وميخائيل انجلو وفان ديك، والقوم قد عنوا بترتيبه حسب العصور والمدارس الفنية المختلفة، ويدهش المرء لكثرة الزحام خصوصاً من السيدات اللاتي ينظرن إلى الصور نظرات تشعر بحسن ذوقهن وتقديرهن للفنون وهن يصحبن أولادهن الصغار ويشركنهم في تفقد الصور لكي تتربى فيهم الملكة الفنية، وتساعد الحكومة على ذلك بإباحة الدخول مجاناً للجميع، وفي كل المعارض والمتاحف.
ومن معرض الفن الحديث معرض تيت باسم مؤسسه يحوي مجموعة قيمة، لكنها دون ما رأيناه في روما بكثير.
قمنا إلى إدجوير: وهي ضاحية من لندن تعد موطن الطبقات الوسطى، بيوتها صغيرة متواضعة ليست متلاصقة ولا مرتفعة، تحيط بها حديقتان صغيرتان، ويفصل بين كل مجموعة من المساكن مرج نسيج أخضر، ويسترعي النظر فيها نظافتها وبساطة بنائها فهي تقام بالآجر الأحمر، وتكسى واجهتها بالزجاج الذي يبالغ القوم في مسحه، تغطيه الستائر من داخله، وترى في مدخل كل واحد صالون الاستقبال، وقد نسق في بساطة، وعلقت على جدرانه الصور الزيتية وباقات الزهور فوق المناضد وقد زرنا إحدى العائلات هناك في رفقة زميل لنا كريم، وتصادف أن كان وقت الغداء وقد مد القوم السماط، وعجيب أنهم جميعاً قابلونا بترحاب أجلسونا حولهم وهم يأكلون ولم يتعرض واحد منهم لدعوتنا للطعام فكنا ونحن جلوس نحس بشيء من الخجل، وظننا أنهم سيقدمون لنا تحية من القهوة أو ما شاكلها كما نفعل نحن، لكن شيئاً من ذلك لم يحصل مطلقاً، فودعونا ونحن ذاهلون.
أحوال الناس: سكان لندن: قوم صحيحو الجسوم بفضل ميلهم للرياضة نظيفو الهندام يسيرون في نشاط الشباب، وحتى الشيوخ منهم لا يضيعون وقتهم الثمين في التلكؤ في الطرقات أو التسكع على المقاهي، وعجيب ألا توجد المقاهي هناك قط اللهم إلا أماكن تفتح ساعة أو ساعتين في اليوم، ويؤمها العمال لتناول الشاي أو القهوة، فكم بحثنا عن مكان نجلس فيه لتناول بعض المرطبات فلا تجد إليه سبيلا في جميع الأرجاء، وقد أعيانا التعب ونال منا، فهم قد استعاضوا عنها بالأندية التي لا تكاد تجد فرداً إلا وهو مساهم في واحد منها، والنساء هناك رشيقات يمشين في وقار ولا يتكلفن في أرديتهن ولا يطلين وجوههن بشيء إلا نادراً على العكس ما يفعل الباريسيات، على أن اختلاطهن بالشبان كثير جداً في المتنزهات، ولعل أجمل صفات الإنجليز رزانتهم وقلة الجلبة بينهم على النقيض الفرنسي. حدث مرة أن إنجليزياً كان راكباً في قطار فرنسي ولم يجد له مكاناً، وكان في المقعد المجانب للإنجليزي حقيبة فأشار إليه أن يرفعها ليجلس، فلم يمتثل الإنجليزي لأمره، واستمر يقرأ كتابه، فما كان من الفرنسي إلا أن هدده بإلقائها من النافذة، فتمادى الإنجليزي في جموده، فحملها الرجل وألقى بها من النافذة والقطار يسير كالبرق ثم جلس مكانها، فلم يحرك الإنجليزي ساكناً. وبعد قليل ونحن نتهامس عجباً جاء صاحب الحقيبة وبحث عنها فارتبك الفرنسي وأقبل على الإنجليزي يلومه، وأخذ يعتذر لصاحبه ويتكفل له بالعمل على إحضارها له. فانظر مبلغ تسرع الفرنسي وطيشه وجمود الإنجليزي، وهم يراعون النظام في كل شيء ولا يتعدون حقهم أبداً، وكذلك لا يسمحون لغيرهم أن يسبقهم إلى حقهم. حدث مرة أن رجلاً أخطأ وتعجل دوره في طريق مزدحم، وكان يحمل ابنته الصغيرة على ذراعه فلكمه الثاني بيده غاضباً وهو يقول الزم مكانك خلفي فتقبلها الرجل في برود، وخاطب طفلته متهكماً وهو يقول يظهر أن صاحبنا هذا رجل مفتول العضلات.
متحف التاريخ الطبيعي: ثم كانت زيارتنا لمتحف التاريخ الطبيعي وفيه مجموعة لا تبارى نباتية وحيوانية وجيولوجية، ولا يستطيع المرء تفقدها في أيام، فمن الحيوان ترى جميع هياكلها محنطة بأحجامها المختلفة وفصائلها المتعددة، وقسم الحفريات رائع إذ ترى من بقايا الحيوان البائد ما يهولك كهياكل الماموث والماستودون وغزال أيرلندا الكبير ذي القرون المفرطحة في طول مترين، وبقر البحر الذي يبلغ ثمانية أمتار في الطول والكسول وطوله تسعة أمتار والارمادلو كالقبة التي يبلغ ارتفاعها مترين وطولها أربعة وزاحف طائر كالخفاش طول امتداد جناحيه أربعة أمتار وعائلة البنتوسورس وطول سنه نحو شبر ودينوسورس وطوله ثمانون قدماً، وسلحفاة تسعة عشر شخصاً في داخلها، وهناك قسم للحشرات حاضرة وبائدة، وآخر للنبات، وأعجب ما هالنا به جذع شجرة قطره ستة أمتار، وعمر الشجرة يرجع إلى عهد جستنيان منذ سنة 557 ميلادية، وفي جانب آخر ترى بقايا الإنسان البائد من أسلحة وعدد وعظام وغير ذلك مما لا يدخل تحت حصر، فالمتحف من أمتع المجموعات العلمية يسهل على الطلاب معميات علومهم، ويفيدهم في الدرس كثيراً.
غادرنا باريس قاصدين لندن، عاصمة بلاد الإنجليز، وهي مشتقة من كلمة كلتيه معناها المناقع وعندما وصلنا ثغر ديب ركبنا باخرة كبيرة عبر المانش وهو بحر عظيم الاتساع وسواحله صخرية مشرمة في بياض تشوبه وتعلوه الخضرة، وبعد ثلاث ساعات رسونا على نيوهفن من ثغور إنجلترا، ومنها أخذنا القطار إلى لندن في ساعتين أما المناظر فعادية، مروج فسيحة مغضنة السطح تكسوها الخضرة وتتخللها الأشجار ولندن بدت في نظرنا أقل شأناً مما سمعناه عنها في حركتها، ومبانيها، وتنسيقها، ونظافتها. خرجنا إلى هيدبارك وطفنا به، فإذا هو متنزه فسيح جداً، ثم قصدنا شارع (بيكاديلي) قلب المدينة النابض وهو أيضاً عادي، وفي جولاتنا بالمدينة مررنا بشارع (فليت) مقر الجرائد الكبرى، ثم شارع (داوننج) وبه دور الحكومة، ولا بأس بفخامتها، ثم اخترقنا شارع (الدار البيضاء) وميدانها وميدان البرلمان، وبه دار النيابة ببرجيها الشاهقين تشرف على التايمز في عظمة وجلال، بجانبها كنيسة وستمنستر يواجهها تمثال كرمول، وإلى الجانب الآخر الشارع الملكي يؤدي إلى قصر بكنجهام، وهو صغير أمامه تمثال لذكرى فكتوريا، وعلى الجانبين متنزه سانت جيمز الجميل، ومن ميادين المدينة الممتازة (ترافالجار) يتوسطه تمثال نلسون الذي أقيم تذكاراً لانتصاره وموته سنة 1805 وتلك كانت نظرة عاجلة لأهم أعلام المدينة.
برج المساجين: وفي الصباح بادرنا بزيارة برج لندن: يرجع عهده إلى يوليوس قيصر، والراجح أنه من عهد وليم الفاتح (1078) وقد أضيفت إليه أجزاء فيما بعد، وهو مقام على التايمز، ومن حوله خندق متسع كأنه نهر صغير كان يملأ ماء من فتحة تتصل بالنهر عليها باب حديدي وسلم، وكان المسجونون والمحكوم عليهم بالإعدام يدخلون منه وهم الخونة إذ ذاك، ولذلك كتب عليه (باب الخونة) ومن بين من ماتوا فيه هنري السادس وإدوارد الخامس والسيدة جين جراي التي تولت العرش ثلاثة أيام فقط ثم استعادته ماري تيودر الوارثة الشرعية وقضت بإعدامها، وتعرض هناك بعض أدوات التعذيب والقتل التي تدل على مبلغ استبداد ملوك إنجلترا في ذاك العصر، وأفخر ما بها حجرة عرضت بها التيجان والصولجانات الملكية وهي مجموعة قيمة من الذهب المحلى بالجواهر الكبيرة مثل اليواقيت وقطع الماس في أحجام تبهر النظر، وهناك تعرض أكبر قطعة للماس في الدنيا وهي في شكلها الغفل ولم تقد بعد، وترى في مواجهة النهر مجموعة من المدافع القديمة التي غنمها الإنجليز من الهند والروس وسلطان عدن، وعلى بعضها كتابة عربية في خط جميل.
وبجانب البرج القنطرة المعلقة أقدم قناطر لندن من الحديد الضخم، وفي وسطها برجان شاهقان بينهما قنطرة سماوية، وسكان هذا الحي على جفاء في الطباع وخشونة في المعاملة، وهم كثيرو الجلبة، ولا يتورع الواحد منهم أن يتهكم على المارة وبخاصة الأجانب منهم بألفاظ نابية وهم يشيرون إليه في غير حياء كما حدث لنا.
البرلمان: وأول ما عنيت بزيارته مصدر الديمقراطية في العالم منبت أعرق دساتير الدنيا ألا وهو البرلمان الإنجليزي الفاخر ويشمل غرفة مجلس الأعيان (اللوردات) يؤدي إليها بهو وردهة أقيمت على جوانبها تماثيل الملوك والملكات، وصورت على جدرانها أعظم الحوادث التاريخية، من بينها موت نلسون، وواقعة ووترلو، وكذلك بعض حوادث البرلمان سالفاً، وفي سقفها من الزخارف بالذهب والفضة ما يحار فيه اللب، وإذا ما جرته دخلت الدار فإذا هي آية في الإبداع من نقوش جذابة إلى زخارف ثمينة إلى مقاعد وثيرة تكسوها الجلود الحمراء البراقة، وفي زواياه تماثيل لمن أرغموا الملك جون على إمضاء العهد الأعظم (ماجنا كارتا) دعامة الدستور الإنجليزي، وهم ثمانية وعشرون باروناً، والمكان حقاً يمثل عظمة الدولة البريطانية ولعله افخر ما يراه الإنسان في لندن كلها، أما مجلس النواب فجميل في بساطة لم يبالغ في نقشه، ولم يسرف في تنسيقه، تغطي مقاعده بالجلود الخضراء وعددها 476 مع أن مجموع الأعضاء 615 ولا يسمح لأحد بزيارته وقت انعقاده إلا بتذاكر خاصة عدا يوم السبت وهو يوم عطلة البرلمان حيث يسمح للجميع أن يدخلوه.
أكبر المتاحف: زرت المتحف البريطاني: وهو أكبر متاحف الدنيا، وبه من الآثار مجاميع قيمة لا تحصى جيء بها من جميع الدول حتى أمريكا وجزائر المحيط الهادئ والهند والمستعمرات كلها، وفي قسم الآثار القديمة جانب مصري في ست حجرات كبيرة أقيمت في هندسة مصرية قديمة وبعض أعمدتها وجدرانها من الصخور المصرية القديمة يلفت النظر من المعروضات المعدومة النظير في مصر: حجر رشيد وهو أسود كالإردواز سمكه نصف متر وهو الذي هدانا إلى فك الطلاسم المصرية لأنه منقوش بثلاث لغات الإغريقية والديموطيقية والهيروغليفية عثر عليه أحد ضباط الحملة الفرنسية، ثم تملكه الإنجليز عقب انتصارهم على الفرنسيين وحملوه إلى لندن، وقد توصلوا إلى فك رموزه اليونانية أولا فإذا بها شكر كتبه الكهنة إلى بطليموس، واستعانوا على تفهم الديموطيقي ثم الهيروغليفي الذي كان من المعميات من قبل، كذلك جعل (جعران) كبير يبلغ طوله المتر وهو أسود براق، ومن الأجسام المحنطة نحو الخمسين حفظت حفظاً تاماً في لفائفها من الكتان ربطت بالجلد ونقش على القماش بعض صور الموتى، وأهمها جثة مدفونة في قبر صخري ضخم، وقد أطبقت الرجلان إلى البطن، واليدان إلى الوجه وقلبت على وجهها، وكذلك شعر سيدة مستعار يلبس في الرأس في تجاعيد ذهبية تتدلى منها الخصل الدقيقة في شكل يحكي ما يعمله بعض الطبقات الراقي من نسائنا اليوم.
وفي الأقسام غير المصرية معروضات هندية وبرازيلية، وكذلك مخلفات من العصر الحديدي، والبرونزي، والحجري، وحجرة للجواهر، واثمن ما بها جرة بورتلند من زجاج أسمر، حفرت عليها التماثيل بحجر الماس بدقة فنية مدهشة وهي الوحيدة من نوعها في العالم عرض على صاحبها مليون من الجنيهات ثمناً فرفض بيعها وأهداها للمتحف، وبالإيجاز فالمتحف عالمي في معروضاته يتطلب في تفقده شهوراً ويتساءل المرء كيف أمكن لهؤلاء الجبابرة الحصول على تلك المجاميع القيمة الوفيرة.
متحف الفنون: ثم قصدنا معرض الفن الأهلي: وبه صور زيتية قديمة لفنانين من بينهم رفائيل وميخائيل انجلو وفان ديك، والقوم قد عنوا بترتيبه حسب العصور والمدارس الفنية المختلفة، ويدهش المرء لكثرة الزحام خصوصاً من السيدات اللاتي ينظرن إلى الصور نظرات تشعر بحسن ذوقهن وتقديرهن للفنون وهن يصحبن أولادهن الصغار ويشركنهم في تفقد الصور لكي تتربى فيهم الملكة الفنية، وتساعد الحكومة على ذلك بإباحة الدخول مجاناً للجميع، وفي كل المعارض والمتاحف.
ومن معرض الفن الحديث معرض تيت باسم مؤسسه يحوي مجموعة قيمة، لكنها دون ما رأيناه في روما بكثير.
قمنا إلى إدجوير: وهي ضاحية من لندن تعد موطن الطبقات الوسطى، بيوتها صغيرة متواضعة ليست متلاصقة ولا مرتفعة، تحيط بها حديقتان صغيرتان، ويفصل بين كل مجموعة من المساكن مرج نسيج أخضر، ويسترعي النظر فيها نظافتها وبساطة بنائها فهي تقام بالآجر الأحمر، وتكسى واجهتها بالزجاج الذي يبالغ القوم في مسحه، تغطيه الستائر من داخله، وترى في مدخل كل واحد صالون الاستقبال، وقد نسق في بساطة، وعلقت على جدرانه الصور الزيتية وباقات الزهور فوق المناضد وقد زرنا إحدى العائلات هناك في رفقة زميل لنا كريم، وتصادف أن كان وقت الغداء وقد مد القوم السماط، وعجيب أنهم جميعاً قابلونا بترحاب أجلسونا حولهم وهم يأكلون ولم يتعرض واحد منهم لدعوتنا للطعام فكنا ونحن جلوس نحس بشيء من الخجل، وظننا أنهم سيقدمون لنا تحية من القهوة أو ما شاكلها كما نفعل نحن، لكن شيئاً من ذلك لم يحصل مطلقاً، فودعونا ونحن ذاهلون.
أحوال الناس: سكان لندن: قوم صحيحو الجسوم بفضل ميلهم للرياضة نظيفو الهندام يسيرون في نشاط الشباب، وحتى الشيوخ منهم لا يضيعون وقتهم الثمين في التلكؤ في الطرقات أو التسكع على المقاهي، وعجيب ألا توجد المقاهي هناك قط اللهم إلا أماكن تفتح ساعة أو ساعتين في اليوم، ويؤمها العمال لتناول الشاي أو القهوة، فكم بحثنا عن مكان نجلس فيه لتناول بعض المرطبات فلا تجد إليه سبيلا في جميع الأرجاء، وقد أعيانا التعب ونال منا، فهم قد استعاضوا عنها بالأندية التي لا تكاد تجد فرداً إلا وهو مساهم في واحد منها، والنساء هناك رشيقات يمشين في وقار ولا يتكلفن في أرديتهن ولا يطلين وجوههن بشيء إلا نادراً على العكس ما يفعل الباريسيات، على أن اختلاطهن بالشبان كثير جداً في المتنزهات، ولعل أجمل صفات الإنجليز رزانتهم وقلة الجلبة بينهم على النقيض الفرنسي. حدث مرة أن إنجليزياً كان راكباً في قطار فرنسي ولم يجد له مكاناً، وكان في المقعد المجانب للإنجليزي حقيبة فأشار إليه أن يرفعها ليجلس، فلم يمتثل الإنجليزي لأمره، واستمر يقرأ كتابه، فما كان من الفرنسي إلا أن هدده بإلقائها من النافذة، فتمادى الإنجليزي في جموده، فحملها الرجل وألقى بها من النافذة والقطار يسير كالبرق ثم جلس مكانها، فلم يحرك الإنجليزي ساكناً. وبعد قليل ونحن نتهامس عجباً جاء صاحب الحقيبة وبحث عنها فارتبك الفرنسي وأقبل على الإنجليزي يلومه، وأخذ يعتذر لصاحبه ويتكفل له بالعمل على إحضارها له. فانظر مبلغ تسرع الفرنسي وطيشه وجمود الإنجليزي، وهم يراعون النظام في كل شيء ولا يتعدون حقهم أبداً، وكذلك لا يسمحون لغيرهم أن يسبقهم إلى حقهم. حدث مرة أن رجلاً أخطأ وتعجل دوره في طريق مزدحم، وكان يحمل ابنته الصغيرة على ذراعه فلكمه الثاني بيده غاضباً وهو يقول الزم مكانك خلفي فتقبلها الرجل في برود، وخاطب طفلته متهكماً وهو يقول يظهر أن صاحبنا هذا رجل مفتول العضلات.
متحف التاريخ الطبيعي: ثم كانت زيارتنا لمتحف التاريخ الطبيعي وفيه مجموعة لا تبارى نباتية وحيوانية وجيولوجية، ولا يستطيع المرء تفقدها في أيام، فمن الحيوان ترى جميع هياكلها محنطة بأحجامها المختلفة وفصائلها المتعددة، وقسم الحفريات رائع إذ ترى من بقايا الحيوان البائد ما يهولك كهياكل الماموث والماستودون وغزال أيرلندا الكبير ذي القرون المفرطحة في طول مترين، وبقر البحر الذي يبلغ ثمانية أمتار في الطول والكسول وطوله تسعة أمتار والارمادلو كالقبة التي يبلغ ارتفاعها مترين وطولها أربعة وزاحف طائر كالخفاش طول امتداد جناحيه أربعة أمتار وعائلة البنتوسورس وطول سنه نحو شبر ودينوسورس وطوله ثمانون قدماً، وسلحفاة تسعة عشر شخصاً في داخلها، وهناك قسم للحشرات حاضرة وبائدة، وآخر للنبات، وأعجب ما هالنا به جذع شجرة قطره ستة أمتار، وعمر الشجرة يرجع إلى عهد جستنيان منذ سنة 557 ميلادية، وفي جانب آخر ترى بقايا الإنسان البائد من أسلحة وعدد وعظام وغير ذلك مما لا يدخل تحت حصر، فالمتحف من أمتع المجموعات العلمية يسهل على الطلاب معميات علومهم، ويفيدهم في الدرس كثيراً.